لقد أصبحنا بشرًا غريبي الأطوار تحكمنا متناقضات لا وجود لها إلا في عالم مخيلتنا، نتصنع الحب ونحن نحقد، نحلم بالسلام وأيادينا سكاكين تقص أعناق الزهور.

متمردون متحيزون لأمنياتنا ومعنا سيف بتار يخطف الطرقات يمنعنا الوصول، نتغنى بثوارتنا وتركناها تمضي على أشلائنا، وهل تحمل الأشلاء ثورة، نحلم ببناء وطن ونحن مزقنا مع الأعداء خارطته.

العجز المميت

باتت تحن علينا الريح تحاول أن تقذفنا بعيدًا عن أوهامنا، لكنا أدمنا الانهيارات واستعذبنا الموت؛ حتى قتلنا المارد الذي خرج من قمقمه ليركن للحزن المقيت. ننطوي على جراجنا نفلسفها، ولا نفكر بعلاجها. نبحث عن مسببات الألم ونجتمع ونفترق، ولا نجد حلًا. هكذا نحن البشر استوطنا الطرقات المعبدة من دماء وركعنا في ظل الخيام التي سجدت مع برد الضمائر فوق أجداثنا.

زمن التورم وتقرير المصير

أصبحنا في زمن الكل فيه رسل وأنبياء، والكل يلقي اللوم على الكل، وهذا يكفر هذا وذاك، تورمنا كثيرًا حتى بتنا ندخل هذا الجنة وذاك النار، مع العلم أن الكل مدان والأغلبية تمارس طقوس الخيانة والتسكع خلف أعذار قميئة لا هدف منها لنهاية، أو لحل، أو انتصار.

تحليل وتحريم

بيع الوطن مدينة مدينة وشارع شارع وهم يعلمون أبناءنا عن نواقض الصلاة، وأن السرقة حرام، وأن الشرع حلل أربعًا، متناسين أن طهارة القلب والإخلاص في النوايا والعمل والصبر على القدر هي من أعمدة الأخلاق والدين، متناسين رغيف الفقير والوطن المدمر، متجاهلين المشردين والجياع والقتلى تحت الركام. تعلموا أن يدسوا أيديهم في جيوبهم، ويتلمسوا دولاراتهم ويمسحوا برؤوسهم وذقونهم أن باسم الله تبارك من أعطى، وهم يستنزفون وطنًا من ارض وشعب ضاقت به أطراف الأرض، وأركان السماء، يرفعون رؤوسهم للاعلى ينادون: يا الله، والله بريء منهم ومن أعمالهم. لم يعد أحد غبيًا فالكل تعلم العزف على أوتار النفاق والخداع، إلا من رحم ربي، ولم يعد أحد ليصدق أحد.

الهاوية والأمنيات

أين؟ أين نذهب؟ وكل شيء حولنا يوحي بطول الانتظار، نار تستعر هنا وتخبو هناك وعلى ضفة السماء اتسعت رقعة المقابر، هناك من دفن حيًا، بلا ذاكرة تخونه الآمال والأمنيات، وآخر بيعت أحلامه على رصيف منفى، واروه مثواه بلا كفن، وأناس تتعثر خطاها بالريح الهائجة وثمة قمة تصدعت يرثيها الصدى جنائز صارت عنوان للطرقات العابرة في جثامين المنتظرين على جلال الصمت يضمد بقايا الليل المتأفف من لهاث خطا أثقلها شوك الأحلام وبعض لوحات كانت دليلًا للتائهين الذين رصدوا ما تبقى من مسير نحو الهاوية.

هناك حيث تركض أم ثكلى، وتئن شجرة الزيتون، وينتحب الحجر، إلى حيث كانت زغاريد أهل الحي تستقبل آخر نبض على شفير قبر مترهل.

بضع من سنوات القحط نزفت ما تبقى من تراب فوق ماض متعفن وحاضر يصارع السراب الذي غطى ما تبقى من ساحات ضجت فيها فوضى الأنين وصمت العالم الحاقد.

عندما يصبح العالم كله حولك يتغاضى عن إجرام الطغاة لا يمكنك أن تفكر بالسلام، فهذا العالم ساعد الجميع على الإجرام ببيعه أدوات الجريمة، لا أحد يفكر كيف يبني وقد هدموا في المجتمعات كل القيم بنشر أفكار باطلة تجعل الأخ وأخاه في خط مواجهة، إما قاتلًا أو مقتولًا، عالم يقتات من جهلنا لن يفكر بالسلام والأمان في بلادنا.

لقد أثبتت لنا سبع سنوات من التشرد والضياع والدمار والقهر أن فكرنا لا زال هشًا تتقاذفه أمواج ليس لها علاقة بما يدور في عالمنا.

الفخ العالمي

لم ندرك إلى الآن أننا وقعنا في فخ جهل رسمه أعداء الأمة، وأحكموا الغطاء على العقول؛ حتى صار كل فرد منا يسبح على مزاج من حدد له خارطة حدود لا تشبهنا ولا تشبه معتقداتنا.

وأطر وجودنا بغابة صغيرة تشبه المحمية، وكأننا قطعان فرت من جفاف او تصحر باحثة عن مكان لتحيا فيه هو نفس الوطن وندفع ثمن وقوفنا على بقعة فيه لا نملك فيها إلا مكان وقوفنا أو قبر يضم ما تبقى من حاضرنا المبعثر.

العتاب العاجز نعاتب الأرصفة والطرقات الهائمة.. نحاور الموتى على كفوفنا.. نتظاهر على ظلالنا التي جلست على ركامنا.. نعاتب حتى أقدارنا وتقف كل كلمات القهر في الحنجرة.. ننزوي خلف زيف الحقيقة المرة.. تحلق فوق رؤوسنا أفكارنا المزعجة.. ونقسم كذبا أننا بخير.. وحتى حجارة الطرقات التي تمشي عليها تئن.. نلون زوايا المساء ببعض طيف مضى أو بارقة حنين.. لنخر كجدار متصدع على حدود جنون خاطرة.. تلقينا حيث الفراغ لنعاود القفز من جديد فوق النيران التي أوقدتها الأقدار في مساحة زماننا المضطرب على أمواج تعثرت في طغيان مسافاتنا.

تتسع رقعة العتب لتمتد خلف شبابيك الليل المظلم.. آه من صمتنا المختنق خلف ضجيج الحروف العاجزة.. وتبا لحمق الدمعة الحاقدة أطفأت القناديل على جوانب الدرب المتكسرة الجوانح.

وعندما يتمدد الليل يحمل ذاكرة الصرخة وينتفض البحر ويطلق من زفيره أرواح من رحلوا فيه ليبتلع آخر الأحلام بالنجاة تتسع السماء وتنهال منها الخطا المحتبسة.

ضوضاء جرح لم يندمل قيد محطم وسلاسل مقطعة، ولم تنته الحكاية، ولم ينته الطريق، فوضى وحرب بين كل نقيض ونقيض، أخطاء وعثرات والطريق لا زالت ممتدة ما بين الرصاصة وانعتاق شهيد أمل يهدهد أحلام الصابرين، تتأرجح النوافذ المخلوعة مع استرسال الريح وانخمادها.

الأمل الواعد

ثمة صوت ينتشر بالمدى سنصل أيها الركام لنعيد ذاكرة الشوارع المكتظة بكل مواكب الشهداء الذين قضوا. ويتهلل وجه الأسقف المنهارة.. وتنبت من تحت الركام جدائل الياسمين.. ويورق حلم الشهيد وطنًا للأحرار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد