إلى متى تظل تنظر حكومتنا إلى شعبها بعين الدونية والاحتقار؟!

لا أرى نفسي مبالغًا حينما أقول «دونية واحتكار» بل أراه وصفًا دقيقًا ومعبرًا لعلاقة حكومتنا بشعبها.

أنا من جيل التسيعينيات الذي نشأ وترعرع في تربة مبارك التي استشرى الفساد في كل ربوعها.

تفتح فكري على ثوره يناير، آمنت بمبادئها ودافعت عنها، حتى أطاحت برأس النظام فقط، لكن مازال الفكر «المباركي» القائم على أن رئيس الدولة هو بمثابة الذات الإلهية، لا يجوز انتقاده أو معارضته أو خدش رونقه، هو بمثابة السيد الذي يعطي أوامره لخدمه من الشعب، ولابد أن نتلقى تلك الأوامر بالطاعة والقبول ومن يرفضها فهو آثم، فهذا هو ولي الأمر الذي لا يجوز مخالفته بل يجب طاعته واتباعه.

نظام مبارك الذي رسخ لمبدأ عبودية الشعب وسيادة الحاكم، وأصبحت مصر عزبة رجال النظام ولديهم توكيل عام يتيح لهم إمكانية التصرف على اختلاف أوجهه، والمالك الحقيقي قلبه مليء بالحسرة، يرى خيرات بلاده تستنزف أمام عينيه وتنهب على الملأ، لكنه ليس بيده فعل شيء، فالمحاضر جاهزة وأبواب السجون مفتوحة على مصراعيها، ورجال أمن الدولة يؤدون واجباتهم الوظيفية على أكمل وجه.

«البلد دي مش بتاعتنا … احمد ربنا إن هما سايبنا عايشين فيها».

استقبلت تلك الكلمات بضحكة ساخرة عندما كنت صبيًا لا أدرك مدى عمق تلك العبارة القصيرة ومدى مطابقتها للواقع، تلقيتها من رجل أربعيني لدية خبرة ليست بالقليلة لكني كنت صغيرًا فلم أدركها إلا حينما تفتح وعيي وصقل تفكيري، أيقنت حقيقة تلك الكلمات وتأكدت من واقعيتها وعرفت أن هذه هي حقيقة الأمور في بلادنا.

أذكر لافته وزارة الداخلية «الشرطة في خدمة الشعب»، والتي تغيرت لتصبح «الشرطة والشعب في خدمة الوطن» قبل أن تعود مجددًا لسابق عهدها، لكني أرى أن تصبح اللافتة «الشرطة والشعب في خدمة النظام»، هذا هو التوصيف الحقيقي لمجريات الأمور.

نظام مبارك الذي أحكم قبضته على البلاد ثلاثين عامًا أورثنا تركة ثقيلة لا نستطيع تحملها ولم نجد من يحنو علينا يومًا ويساعدنا للتخلص منها.

تركة مبارك التي جسدت كل معاني الظلم والفساد.

تركة مبارك التي تبنت دعوات الجهل والتخلف.

تركة مبارك التي رسخت لتغليب مصلحة الحاكم.

تركة مبارك التي أنهكتنا بالأوبئة والأمراض.

تركة مبارك التي أسست لقواعد النهب والسرقة.

تركة مبارك التي جعلت اقتصاد البلاد تحت قبضة أشخاص بعينهم يتحكمون فيه ويتلاعبون كيفما يشاؤون.

هي التركة التي أنهكت مصر وتركتها تنزف حتى أميت كل ما هو جميل فيها.

تركة مبارك التي ألقت بخيرة شباب البلد في غياهب السجون، وتمكن العواجيز من مقاليد الأمور لأسباب واهية تدعى الخبرة، والآن يتم تكريم مبارك بإكمال مسيرته والسير على خطاه واتباع نهجه.

هذه هي بلادنا، وتلك طرق إدارتها وحكمها، وها نحن الشعب الذي عانى وما زال يعاني، أجيال وراء أجيال ولم يتغير شيء ولا نرى حتى بادرة أمل توحي لنا بمستقبل أفضل، فالمتابع الجيد لما يدور في مصر والقارئ المتعمق في كواليس السياسة المصرية، يتوصل حتمًا إلى نتيجة واحدة لا ثاني لها مفادها أن القادم أسوأ مما مضى.

غرباء.. غرباء.

كم هو مؤلم أن تشعر أنك غريب في وطنك، وأنك مسجون بأيدي إخوانك.

لماذا نحن يا أبت، لماذا نحن أغرابُ؟!!

لماذا نحن لا نزرع أحرارًا بأيدينا،

ونأكل خير موطننا ونعطيه ويعطينا،

لماذا نحن لا نسقيه من جهد ويسقينا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ثورة, مبارك, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد