في المقال السابق المعنون بـ«سقطرى والأطماع الإماراتية»، ألمحت إلى أن مشروع الإمارات في اليمن الذي تحاول فيه استنساخ تجربة الدول الاستعمارية الكبرى لا يخدم الإمارات، بل يعد خطأ استراتيجيًا يضر بها قبل اليمن.

الإمارات دولة طارئة على الجغرافيا العربية، لا تملك رصيدًا تاريخيًا، ولا تملك عمقًا جغرافيًا، وتفتقر إلى الكثير من مقومات الدولة الحقيقية التي تمكنها من الصمود أمام عوادي الزمن. وفي هذا المقال سأستطرد في بيان أهم المعضلات الاستراتيجية التي تعاني منها الإمارات أو ما كان يعرف سابقًا بساحل عمان وبيانها كالتالي:

أولًا: معضلة الجغرافيا

هي دولة صغيرة، ليست إلا امتدادًا لساحل عمان، مجرد نتوء جغرافي يضم مجموعة قبائل متناثرة في الصحراء. هذه المعضلة الجغرافية ستقف عائقًا كبيرًا أمام الحلم الإماراتي الإمبراطوري المعبر عن جنون العظمة وأحلام اليقظة فحري بها أن تنظم في اتحاد فيدرالي لسلطنة عمان لعل هذا الامتداد الجغرافي يمنح سلطنة عمان عمقًا جغرافيًا أوسع تتخلص به من التبعية البريطانية -وإن كان هذا حلمًا بعيد المنال- ويعطي الإمارات السبع فرصة أكبر للبقاء السياسي والجغرافي أمام الخطر الإيراني، بل وخطر التمزق الداخلي بين زعامات الإمارات السبع.

ثانيًا: المعضلة الديموجرافية

تعاني الإمارات من عمالة أجنبية هندية وإيرانية وبنغالية تفوق السكان الأصليين بما يناهز الضعف، وهذا الاختلال في التوازن السكاني يمثل خطرًا كبيرًا ليس على الإمارات فقط، بل على جميع دول الخليج العربي والدولة اليمنية، فكما ذكر الدكتور عبدالله النفيسي في إحدى لقاءاته أن إمارة دبي قد تكون يومًا ما سنغافورة الخليج العربي، كما كانت سنغافورة في الاتحاد الماليزي التي انفصلت عنه بفعل حق تقرير المصير، فرجحت الكفة لانفصالها بفعل انعدام التوازن السكاني لصالح الوافدين الصينيين.

ثالثًا: المعضلة السياسية

هي مخترقة من قبل صانع السياسات الأكبر في منطقة الشرق الأوسط الولايات المتحدة الأمريكية، بل ومخترقة من قبل الكيان الصهيوني، فهي دولة ريعية فاقدة لقرارها السيادي، تمارس دورًا سياسيًا بالوكالة مقابل الحماية من خطر أي ثورة شعبية محتملة ومن خطر الغول الإيراني الجاثم على الجزر الإماراتية بمنطق القوة، فالإمارات سياسيًا تعاني من عقدة التقزم السياسي بفعل انعدام الفعل الشعبي السياسي وصغر الجغرافيا وضعف القراءة الاستراتيجية للواقع السياسي والعقدة المستحكمة من صعود الإسلاميين وتدخل المخابرات الأجنبية في صنع القرار السياسي، فتحاول تعويض ذلك من خلال التمدد خارجيًا وهذا يعبر عن أزمة سياسية مستحكمة واستلاب القرار السيادي لصالح الدول العظمى.

رابعًا: المعضلة التاريخية

تعاني دولة الإمارات من عقدة نفسية متأصلة في الذهنية السياسية للأسر الحاكمة فيها، وخاصة إمارة أبو ظبي، إلى حد أنها دفعت بأبنائها في صحرائها بحثًا عن أي صلة تاريخية لهذه الدولة الطارئة في الجغرافيا العربية، ففيها حفيدة عنترة بن شداد وهي أصل وموطن الرحالة أحمد بن ماجد، وهذا الهوس التاريخي أصبح الآن حديث الصحافة الإماراتية، وأحسب أن هذا الاهتمام الصحفي والإعلامي بحضارة دولة ساحل عمان من أسبابه الرئيسة الضغط الإعلامي الذي مارسه اليمنيون في صفحات التواصل الاجتماعي، فقد قارنوا دولة الإمارات المتحدة بالمنتج اليمني الوحيد هو بسكويت أبو لد فهو أسبق تاريخيًا من ظهور دولة الإمارات.

نجد أن محمد بن زايد يخرج بتصريح يقول فيه أن الإمارات لها عمق تاريخي يمتد لسبعمائة سنة، وأنها ليست حدثًا بل لها عمق تاريخي ضارب في القدم، في حين هللت وكبرت الصحافة للمعة رآها محمد بن راشد آل مكتوم في الصحراء، فأمر بحفر تلك المنطقة التي أسفرت عن كنز تاريخي يعود إلى فترة ما قبل الميلاد!

لا أدري هنا هل أعجب لعيون محمد بن راشد الثاقبة؟ أم أعجب من علماء الآثار الذين لم يدركوا بعد السر الكامن في عيونه فيستغلونها في اكتشاف حضارات العالم الكامنة تحت الرمال؟

وقد أطلقت العديد من البرامج والمبادرات التي تسعى لاكتشاف حضارة الإمارات في العصور القديمة، من ذلك مبادرة دبي ما قبل الميلاد، وقد بلغت بهم الفجاجة أن قالوا أن اللهجة الإماراتية هي لغة العرب الأصلية، وأن الإمارات أولى مناطق الأرض التي كانت مأهولة بالسكان، فقد قدم إليها الأنباط كما قال حاكم الشارقة سلطان القاسمي، ومن حينها بدأ تناسل وتطور الجنس البشري، فهي سابقة للفراعنة والصينيين والهنود والإغريق والبابليين والحميريين والكنعانيين والآشوريين وغيرها من الحضارات بل إن من غرائب الدهر ومضحكات العصر زعمهم اكتشاف مركز تسوق يعود إلى فترة ما قبل الميلاد في دبي.

وفي المحصلة، فالحالة الاماراتية ستكون استثنائية لدارسي العلوم السياسية، إذ أنها خرجت لتحقيق الأمن القومي لها في الخارج كما تزعم سواء في أفغانستان أو دول القرن الأفريقي أو اليمن ومصر وليبيا أو شراء ذمم السياسيين في أوروبا والولايات المتحدة، دون تحقيق أدنى مقومات الأمن الداخلي، سواء من حيث التوازن السكاني أو تأسيس نظام حكم مرن يحقق للدولة الاستدامة والاستقرار أو تحقيق الاكتفاء الذاتي والخروج من خانة الدول الريعية الاستهلاكية، أو تعزيز دورها الإقليمي من خلال تفعيل الكيانات الإقليمية في مواجهة أي خطر محتمل سواء من إيران أو إسرائيل أو الولايات المتحدة نفسها.

حري بدولة الإمارات ألا تتجاوز قدرها وتدرك أن ما تقوم به مجرد فرقعات وأنها بتعديها على اليمن وعربدتها فيه تساهم في تدمير هذا النتوء الجغرافي الطارئ الذي يسمى الإمارات، فبقاء اليمن قويًا قد يحميها يومًا ما وتشظي اليمن وانقسامه سيهدد أمن الخليج كله، واليمنيون لن يفرطوا في استقرار بلادهم ولن يفرطوا في ضياع أمنه الاستراتيجي والحق لا يسقط بالتقادم والمال لا يصنع التاريخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد