بعد مائة عام من اتفاقية سايكس بيكو، تعيش المنطقة أجواء صراع إستراتيجيات إقليمية ودولية متصاعدة، بدأت تتصاعد وتيرتها مع بداية اندلاع ثورات الربيع العربي والتي يراها البعض مؤامرة أُعد لها سلفًا لإعادة تقسيم المنطقة من جديد، ويراها البعض الآخر ثورات عربية حقيقية لم تكتمل أجهضتها الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة.

لا شك أن المشهد الإقليمي مشهد عبثي فوضوي بامتياز، يشهد سيولة متسارعة في تحولاته ومتغيراته الظرفية على كل الأصعدة، يصعب معها توقع مساراته أو رسم سيناريوهاته المستقبلية، لكن مما لا شك فيه أن الكثير من وقائعه أعد لها سلفًا، ويجري التحكم بقواعد اللعبة وخيوطها من قبل أطراف الصراع الإستراتيجي المتداخلة في المنطقة، أو ما يمكن أن نطلق عليهم اللاعبين الكبار، لكن بالمقابل أيضًا هناك بعض التفاصيل والملامح التي يمكن رصدها والوقوف عندها لقراءة  مسارات ومستقبل هذه الجولة من الصراع الإستراتيجي المحموم.

فأمريكا التي تظن نفسها أنها أصبحت مهيمنة، ما زالت تئن من وقع حروب كبرى خاضتها منذ عدة سنوات، وأزمتها عاشتها ولا تزال فلم يغب عن الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة أوباما أجواء فشلها في العراق وهزيمتها في أفغانستان، ثم جاءت كارثة الأزمة المالية، وإفلاس أكبر بنك أمريكي، وتعرُّض الاقتصاد العالمي لأكبر هزة في تاريخه منذ ستين عامًا تقريبًا. وهو ما دفع الإدارة الأمريكية لتغيير إستراتيجتها في المنطقة وتغذية الصراعات عن بعد دون التدخل المباشر فيها عسكريًّا، وبحثها عن أدوات فاعلة لتنفيذ ما تريد.

وهذا ما أكدته دراسة تحليلية أعدها مجلس المخابرات القومي الأمريكي تحت عنوان «الاتجاهات العالمية في 2025م»، وأُعلن عنها في شهر نوفمبر 2008م: إن الأزمة المالية العالمية الحالية هي بداية إعادة توازن اقتصادي عالمي، وإن دور الدولار الأمريكي باعتباره العملة العالمية الرئيسة سيضعف، كما سيتزايد الاعتماد على مصادر طاقة بديلة عن النفط.

ويذكر التقرير الذي استند إلى مسح عالمي لخبراء واتجاهات، أجراه محللو مخابرات أمريكيون، أن الأعوام العشرين المقبلة ستكون فترة انتقالية نحو نظام عالمي جديد مليء بالمخاطر. ويتوقع التقرير انضمام الصين والهند إلى الولايات المتحدة على رأس القوى الكبرى، وأن تنافِسَ الدولتان أمريكا على النفوذ. ويقول: إن وضع روسيا بوصفها قوة كبرى غير مؤكد، بينما ستحصل دول مثل تركيا وإيران وإندونيسيا على نفوذ متزايد.

ويؤكد التقرير أن النظام العالمي الذي تشكَّل بعد الحرب العالمية الثانية ستنطمس معالمه تمامًا بحلول عام 2025م؛ بسبب بروز القوى الجديدة الصاعدة، وعولمة الاقتصاد، والانتقال التاريخي للثروة من الغرب إلى الشرق. ويتوقع تقرير الاستخبارات أن يتمحور التنافس على التجارة والتطورات والابتكارات التقنية، وعلى عمليات الاستحواذ، ويقول إنه من غير المستبعد أن يشهد العالم عودةً إلى سيناريو مشابه لسباق التسلح في القرن التاسع عشر، والتنافس العسكري، والتوسع الإقليمي.

وهذا هو ما بدأنا نرى تشكل ملامحه الآن، من تراجع النفوذ الأمريكي لصالح إيران وبروزها باعتبارها لاعبًا إقليميًّا مؤثرًا في المنطقة، وانصراف أمريكا لمواجهة الصين في آسيا، ومحاولة روسيا البحث لها عن مكان في عالم ما بعد انهيار نظام القطب الواحد، ومؤشرات لانفراط عقد الاتحاد الأوروبي، وتغير ديمغرافيات أوروبا السكانية بعد موجات نزوح اللاجئين المليونية من بؤر الصراع في العالم العربي إليها، وتنامي اقتصاديات جديدة والبحث عن بدائل جديدة للطاقة مع تراجع غير مسبوق لأسعار النفط في العالم، مع حالة من التشظي والانهيار للنظام العربي الإقليمي في صورة دراماتيكية تخلط بين الملهاة والمأساة!

العام الأخير من ولاية أوباما هو عام البطة العرجاء كما يطلقون عليه؛ حيث تصبح الإدارة الأمريكية في عامها الأخير أشبه بالمشلولة، وعاجزة عن المبادأة أو الحسم، وتبقى فاعليتها متعلقة بردود الأفعال، ومن المتوقع بعد الانتخابات الرئاسية ألا يكون هناك تغيير حاسم على صعيد السياسة الخارجية الأمريكية، لا سيما تجاه قضايا الشرق الأوسط، لا سيما الملف السوري أو موقفه من الانقلاب العسكري في مصر.

وفي الجانب المقابل المتنافس على النفوذ في الشرق، أي الجانب الإيراني، يغلب عليه السعي جاهدًا لإتمام صفقته مع أمريكا حول برنامجه النووي، وفك الحصار الاقتصادي عنه كاملًا، مع تعزيز مواقعه في جميع الأماكن التي وضع يده عليها، خاصة في لبنان والعراق واليمن وسوريا.

أما المحور العربي المنقسم على نفسه والمتشظي، والذي أرهقته ثورات الربيع العربي والثورات المضادة واستماتة الأنظمة الديكتاتورية في الحفاظ على كراسيهم، حتى ولو كان على حساب دماء الآلاف من شعوبها وتدمير قراها ومدنها، وتحويل شعوبها إلى لاجئين كما يحدث في سوريا الآن، سيكون أكبر الخاسرين من هذا الصراع الإستراتيجي بين اللاعبين الكبار في ظل فشله في تشكيل محور سني حقيقي يوقف المد الشيعي في المنطقة رغم محاولات السعودية تكوين تحالفات من حين لآخر، تحت مسميات مختلفة بداية من عاصفة الحزم وصولًا إلى التحالف الدولي الذي دعت له لمحاربة الإرهاب، ولن يفلح في الوقوف صامدًا في مواجهة مخططات العبث بخرائطه وإعادة تقسيم دوله بل واختفاء بعضها وفقًا لبعض سيناريوهات التقسيم المسربة والمتوقعة!

وستبقى دول الخليج منساقة وراء الشقيقة الكبرى السعودية، لا تشب عن الطوق وإن حاولت أن تنأى بنفسها عن خيارات النظام السعودي الخارجية فلديها مشاكلها الاقتصادية والسياسية الداخلية، وإن شذت الإمارات عن السرب ففي بعض الملفات إلا أنها في الظاهر تتوافق مع المنظومة الخليجية في معظم مواقفها الخارجية، وتلعب وتتدخل في ملفات كثيرة في المنطقة سواء في مصر أو ليبيا أو اليمن ومالي والصومال.

أما الموقف التركي الطامح إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والراغب في إقامة علاقات اقتصادية مع دول المنطقة، والباحث عن الاستقرار؛ فيقابل تحديات كبيرة داخلية وخارجية لعل أبرزها ملف الأكراد، والملف السوري الملتهب على الحدود، وموقفه من الانقلاب العسكري في مصر، ويبدو أنه سيظل يدفع فاتورة مواقفه من العديد من الملفات في المنطقة لاختبار قوة صموده أو تراجعه وانهياره، لا سيما أنه يحاول أن يلعب دورًا إقليميًا منافسًا لإيران في المنطقة. فتركيا مرشحة لقيادة المحور السني الغائب عن المشهد بالتعاون مع مصر والسعودية وباكستان وفقًا لكثير من التطلعات والتوقعات.

وعلى صعيد آخر، سينتهي في السنوات المقبلة دور الفاعلين من غير الدول بعد إعادة رسم الخرائط لأن معظم هذه التكوينات والتشكيلات هي أجهزة وظيفية وصنيعة مخابرات عالمية، أو مخترقة من أجهزة مخابراتية على أقل تقدير مثل تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» وغيرها من التشكيلات الموجودة في سوريا والعراق.

ثمة رهانات واعدة قد تغير في المشهد، وتحول دون اكتمال مخططاته المرسومة، وهي حركة الشعوب لاسترداد زمام المبادرة والفعل مدعومة بمحور دولي يتبنى خياراتها، وهذا يتوقف على استمرار الحراك الثوري وكسب معركة الوعي بطبيعة الهجمة المحمومة على الأمة، ومن  يقرأ التاريخ يدرك أن كل حالة تشظي وتفرق وانقسام للأمة يتبعها مشاريع للوحدة والنهضة مجددًا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد