طريقة تعاطي دول المنطقة القوية كالسعودية وتركيا مع القضية السورية ارتبط بالمنظور الأمريكي المخادع وانسجمت مع خطابه السياسي المراوغ، هذا المنظور المختل يتعاطى مع الأحداث وفق مصالحه التي تحددها جملة مفهوم «الأمن القومي الأمريكي» وبالتالي فإن هاتين الدولتين بقيتا من الناحية الواقعية معزولتين عن أي فعل مواجه يمكن أن يغير مسار الأحداث لصالح تقدم المعارضة وجبهاتها المقاومة، ولأن المسألة الأساسية المتعلقة بالأمن القومي الأمريكي الذي تقع إسرائيل ضمن سياقه المهم تتمثل في السعي الدائم لإبقاء دول المنطقة ضعيفة وغير مستقرة بحيث يضمن هذا الضعف أمن إسرائيل وتبعية هذه الدول لها وإمكانية تشكيلها لتتلاءم داخليا مع محددات «الأمن القومي الأمريكي» والتطبيع مع «إسرائيل» فقد جرى تمكين روسيا في سوريا ودعم الجماعات الإرهابية الكردية ومنحها القدرة على التقدم من أجل محاصرة تركيا وعزلها عن طموح تحقيق تفاعل مؤثر مع محيطها العربي والإسلامي بحيث يمكن تشكيل تحالف إستراتيجي نشط وفعال يقف أمام طموحات الدول الكبرى ويحل القضايا العربية والإسلامية بشكل عادل بين مكوناتها السياسية من خلال الديمقراطية كوسيلة لتداول السلطة سلميا من أجل تحقيق استقرار داخلي في المنطقة تترتب عليه قوة ونهضة حقيقية وتقدم في مستوى حياة الإنسان العربي والمسلم على حد سواء.

التوجه نحو تقسيم سوريا جاء متناسقا فما أن قال وزير الخارجية الأمريكي «كيري» خلال جلسة استماع أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي: «ربما يفوت الأوان لإبقاء سوريا موحدة إذا انتظرنا فترة أطول»، وهي المرة الأولى التي يتحدث فيها عن خيار تقسيم سوريا، حيث دأبت واشنطن على تأكيد ضرورة المحافظة على سوريا ديمقراطية علمانية موحدة فما أن قال ذلك حتى استتبع ذلك القول معه حديثا روسيا عن إمكانية تقسيم سوريا إلى ثلاث دويلات، وبالطبع كما يؤكد محللون أنه من ضمن هذا التقسيم دولة «علوية» يحكمها الأسد وهذه الطائفة تحظى بدعم إيراني وإيجاد هذه الدويلة يصب في سياق تقوية «محور طهران موسكو» أي في سياق الاستراتيجية الروسية المتكاملة القائمة على فكرة المحاور انطلاقا من رؤية الجيبوليتيكي الروسي «ألكسندر دوغين».

ستفرض روسيا إرادتها كونها المؤثر الأقوى في المعادلة السورية الآن، فيما أمريكا تهيء لهذه الرؤية التقسيمة من خلال إصدار تصريحات مضادة لها من الناحية الظاهرية من أجل تطمين العرب وخصوصًا دول الخليج التي سيشملها مع المدى هذا السيناريو الخطير، فيما تستبطن عمليا السير نحو هذا التقسيم وفق اتفاق سري كما يبدو بين واشنطن وروسيا وطهران أيضا كلاعب رئيسي هناك، الضحية هي تركيا والسعودية كدولتين هامتين في المنطقة تجري الآن عملية إضعافهما لصالح إيران المستفيد القادم بازدواجية تحالفه مع روسيا وأمريكا.

لقد جرى استيعاب العنصر الكردي مع الأسف استيعابا مزدوجا روسيا وأمريكيا، فيما أهمل هذا العنصر الحيوي وحقوقه من قبل المسلمين عربا وأتراكا وجرى القضاء على البعد الإسلامي في وعيه وتغييب ذاكرته التاريخية التي شكلت في سياق صراعنا من الشيعة والصليبين الفرق بمجيء الفاتح «صلاح الدين الأيوبي» الذي استطاع بدهاء إحياء وتقوية المذهب «السني» بكافة مدارسة، وتفكيك الامتداد الشيعي في مصر من خلال إسقاط الدولة «الفاطمية» ومن ثم تهيئة المجال الجغرافي لتحرير القدس من يد الصليبيين.

الخلاصة: أن التقسيم الأمريكي الروسي الإيراني لسوريا سيكون كارثيا وسيمتد كسيناريو ليشمل دول المنطقة القوية السعودية وتركيا وغيرها، وهو تقسيم له نتائج كارثية على المستوى البعيد.

احفظوا هذا جيدًا فيما لو حدث تقسيم لسوريا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سوريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد