الفلسفة المشتركة بين لعبة الشطرنج الشهيرة، والاستراتيجية، جعلت من عناصر لعبة الشطرنج رمزًا تعبيريًّا عن الاستراتيجية والخطط الاستراتيجية في معظم المؤلفات والكتابات، وحتى التصاميم والإنفوجراف. يقول بروس باندولفيني (Bruce Padolfini) في عنوان كتابه الشهير «From Every Move Must Have a Purpose: Strategies from Chess for Business and Life»، فهذه سمة الاستراتيجيين، أنهم يحسبون خطواتهم بدقة، شأنهم في ذلك شأن لاعب الشطرنج، فلا مجال أمامه لتردد، أو إضاعة الفرصة، فكل خطوة إما أن تُحقق له نصرًا وإما تُغرمه ثمنًا باهظًا. ويستطرد باندولفيني في كتابه، ليبين أن النظرة القاصرة للاعب الشطرنج المبتدئ أو غير المحترف تجعله يركز على الجانب الخاص به من اللعبة، دون مراقبة حركات اللاعب الخصم. إن الاستراتيجية الاحترافية هي ما يفعله اللاعب المحترف في «تعزيز موقفه بالتزامن مع إحباط مواقف الخصم». إن اللعبة تتخطى متابعة الحركات، بل تتعدى ذلك إلى قراءة عيون الخصم؛ لفهم استراتيجية اللعبة التي يخطط لها، وهنا تكمن أعلى درجات الاحترافية.

فصاحب العمل، أو الريادي، أو مدير المؤسسة عليه أن يسعى جاهدًا إلى تمكين مؤسسته وأعمالها في السوق الخاصة به، وفي ذات الوقت عليه أن يتابع بدقة خطوات جميع المنافسين، ولا ينتظر ما يحدثونه في السوق، بل يحاول قراءة مخططاتهم، ليقوم بالسبق أو على الأقل السير بالتوازي معهم، وذلك لضمان المحافظة على المركز، أو الحصة السوقية، إن لم يكن الهدف هو تَبوُّء الصدارة.

مرة أخرى يكتب بروس باندولفيني في كتابه «الطريق إلى قمة الشطرنج»، متحدثًا عن تكتيك لاعب الشطرنج الأشهر «كاسباروف» فيقول: الشطرنج هو رياضة الفكر وتمرين العقل. ويعكس مهارة استخدام الطاقات العقلية والنفسية معًا، كما يمثل فلسفة عقلية منطقية توصل إلى القمة في الظفر والنجاح، موضحًا أن تكتيك كاسباروف اعتمد على مهارة العرض والتحليل.

رقعة الشطرنج تمثل أرض المعركة، وتمثل السوق في عالم الأعمال، وكل عنصر من عناصر اللعب يمثل الإدارة والفريق والأصول والمهارات والأدوات والعلامة التجارية وغيرها. في هذه اللعبة الشهيرة، التي يتوج البطل فيها بلقب «أستاذ»، تحتاج إلى تحليل المعلومات، وتحليل قدرات الخصم، وتقييم نتائج الخطوة التي أنت بصددها، وتوقع المستقبل غير المؤكد، واتخاذ القرارات الحاسمة، ومحاولة كسب المزايا التنافسية، أو تحقيق الانتصار في كل خطوة، وكذا عالم الأعمال، بل مجال الإدارة الاستراتيجية والتخطيط الاستراتيجي على وجه الخصوص، فهو التحليل والتخطيط والتنفيذ وتقييم النتائج.

الإدارة الاستراتيجية ضرورة مؤكدة لكل مؤسسة، وتعلو درجة التأكد للاحتياج لها بمعرفة الأهداف المطلوب تحقيقها، فهذه الأهداف لا يمكن أن تتحقق، أو تتحقق بدرجة متقنة إلا من خلال إدارة مبنية على أسس سليمة. فالإدارة الاستراتيجية بكل مكوناتها ضرورة يدل عليها المنطق، والعقل، والتجربة، والنظام الإداري السليم، والشريعة.

يزخر العالم بالعديد من الأسماء اللامعة والناجحة لشركات شقت طريقها وطبقت مفاهيم الإدارة الاستراتيجية ومراحلها، مما مكنها من تحقيق أهدافها والوصول إلى غاياتها. شركات ومؤسسات أخرى لم تحسن فهم السوق وتوجهات المستهلكين، وتحجر تفكيرها على الأعمال التقليدية والمنهجيات المتبعة لديها دون تطوير أو تحديث، الأمر الذي كانت نتيجته مدمرة أدت إلى مسحها من السوق بعد أن تربعت على عرش التميز عقودًا طويلة.

إن عصر المعلوماتية يتطلب ضرورة تكييف المنظمات مع التغيرات البيئية المحيطة، خصوصًا التغير التكنولوجي باعتباره التغير الدائم والمؤثر في إدارة المنظمة. ويقتضي هذا التكيف اتخاذ مجموعة من الإجراءات، أو تبني مجموعة من المفاهيم التي تشكل أرضية لانتقال المنظمات من وضعها الحالي إلى منظمات المستقبل، من خلال بلورة الاتجاهات المستقبلية الناجحة، وهذا يتم من خلال التفكير الاستراتيجي، وبصورة أشمل الإدارة الاستراتيجية لكافة أعمال المنظمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد