كلما مر يوم على معركة الموصل تقدمت القوات العراقية نحو المدينة ولو بشكل طفيف، وكلما تقدمت في أحد المحاور المحيطة بالمدينة فتح تنظيم داعش جبهة جديدة خارج محافظة نينوى في سعيه لتشتيت الجهد العسكري المنصب تمامًا باتجاه الموصل.

وعلى ما يبدو فإن أسلوب المشاغلة وفتح الجبهات هو التكتيك الذي سيعتمده التنظيم في دفاعه عن وجوده على أرض العراق بعد ما تبين أن الموصل ستفلت من قبضته مهما طالت المعركة، في رسالة يريد إيصالها قبل أن يسدل الستار عن دوره في العراق مفادها أنه في حال خسارته الموصل فإنه سيبقى موجودًا وسيعود إلى أسلوبه القديم مختبئًا في صحراء مفتوحة يخرج منها بين الحين والآخر لينفذ عملية هنا وهجومًا هناك.

وربما لهذا السبب عد المتحدث باسم التحالف الدولي الكولونيل جون دوريان معركة الموصل التحدي الحقيقي للقوات العراقية باعتبارها المعركة الأكبر التي تخوضها حتى هذا اليوم، مؤكدًا أن تنظيم داعش عزز دفاعاته بصورة كبيرة في الموصل، وأن المعركة ستكون صعبة.

فالهجوم الواسع الذي شنه التنظيم قبل أيام في محافظة كركوك لم تكن الغاية منه مسك الأرض مطلقًا، بل هو أحد أساليبه التي يحاول من خلالها كسب بعض من الوقت وإثبات قوة مباغتة تضعف معنويات القوات المشتركة التي تشق طريقها ببطء باتجاه الموصل.

ولم تكد القوات الأمنية العراقية تستدرك خطورة الموقف وإمكانية التنظيم توجيه ضربة في ظهر القوات المهاجمة، حتى شن هجومًا آخر في مكان مختلف تمامًا، فالهجوم الأخير لداعش على قضاء الرطبة غرب محافظة الأنبار يدخل في السياق ذاته الذي اعتمده طريقًا للعودة إلى أسلوبه القديم، إلا أن إمكانية الظهور والاختفاء في هذا الموقع أو ذاك تشكل خطورة كبيرة تتمثل بإمكانية عناصره شن هجمات في المكان الذي تريد والوقت الذي تريد، ما يؤكد عدم سيطرة القوات الأمنية العراقية على الأرض بالشكل المطلوب.

أضف إلى ذلك المخاوف من تمكن تنظيم داعش من استعادة مناطق كان قد فقد سيطرته عليها في محافظات مختلفة في العراق، إذ إن الهجمات على كركوك والرطبة كانت هجمات منظمة ومتعددة المحاور ما يؤكد أنه ما زال يمتلك القوة الكافية لشن هجمات أخرى قد تكون أوسع وأوجع.

كما أن الهجومين على كركوك والرطبة يطرحان أسئلة إستراتيجية مهمة حول الهدف المقبل للتنظيم وما هي المناطق التي من الممكن أن ينفذ هجماته عليها، وهل من الممكن لداعش تنفيذ هذا النوع من الهجمات في بغداد أو الإقليم بعد أن قرر العودة إلى حرب الشوارع والعصابات مكتسبًا خبرة جديدة من تمدده الذي طال سنوات، وكذلك من العمق الذي ما زال يسيطر عليه في سوريا.

إلا أن أهم ما يثير المخاوف من مرحلة ما بعد سيطرة داعش على المدن، هي أن التنظيم طرد ولم يقض عليه وما زال يحتفظ بوجوده الشبحي على الأرض، فهل سيتمكن من رص صفوفه والعودة مجددًا للتمدد أم سيبقى يشن هجماته على مدن بات يعدها مرتدة وخارجة عن طوعه وكيف ستكون هجماته؟

وبالتالي فإن الوقائع في الميدان والأسئلة المطروحة حول مستقبل المنطقة برمتها وكيفية التعامل مع داعش، وكذلك الصراع بين الأطراف التي تقاتله؛ تثير الاستغراب. ففي الوقت الذي يشن فيه التحالف الدولي والقوات العراقية والجحافل المساندة لها من بيشمركة وميليشيات ومقاتلي عشائر هجومًا من جهات الشمال والشرق والجنوب، نرى الجانب الغربي متروكًا كأنه باب خلفي للهروب نحو سوريا بدلًا من إحكام الطوق حول التنظيم، وكأن الغاية هي دفعه فقط نحو معركة أخرى قد لا يكون للتحالف الدولي دورٌ فيها، أو ربما يكون ذلك المجال للهروب مفتوحًا لكي لا يستميت عناصره في القتال وينسحب نحو منطقة تختلف أبعادها السياسية والجغرافية، إلا أن الثمن الثقيل لهذه اللعبة العسكرية لن تدفعه سوى الشعوب التي أصبحت منازلها سواتر وشوارعها خنادق ومدنها ساحات قتال.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد