لقد تكلم العبقري نعوم تشومسكي في مقالته المشهورة عن الإستراتيجيات العشر التي تحكم الشعوب، وهذا ما ساهم في تنوير بصيرة بعض الشعوب المستبدة وإيقاظها من أحلامها، ولكن ذلك لم يدم طويلًا؛ لأن الحكام قد تمكنوا من تغيير بعض تلك الإستراتيجيات وتطوير بعضها لجعلها تتماشى مع هذه الأجيال الجديدة من الشعوب والتي تضع الحرية نصب أعينها.. بدورنا سنحاول في هذا المقال أن نظهر تلك الإستراتيجيات التي طورتها الحكام لمواكبة العقل الجديد الذي بدأ بالظهور في هذه المجتمعات المستبدة.

 سياسة الإلهاء

إن أفضل إستراتيجية يحبذها الأمير هي إستراتيجية الإلهاء فهي بطريقة أو بأخرى تجعل الشعوب تحيد عن المشكل الحقيقي الذي يجب أن تهتم به، وتنغمس في زمرة من المشاكل الثانوية التي لا فائدة تذكر منها. فهذه الإستراتيجية قد تجعل ذلك المواطن البسيط يصدق بأنه في حاجة ماسة إلى إطار سيارة، بالرغم من أنه لا يملك سيارة أصلًا، ويعتمد الأمير أساسًا في هذه الإستراتيجية اعتمادًا كاملًا على الطريقة الصحيحة والفعالة، والتي تمكنه من خلق المشاكل ونشر البلبلة قصد تزييف الوعي وذر الرماد على العيون وينتج عن ذلك تحييد كامل للشعب عن السلطة وتخطئة للرأي العام.

هي من السياسات التي تكلم عنها العالم نعوم تشومسكي في حديثه عن العشر سياسات التي تمكن للحكام قبض سيطرتهم على الشعوب، حيث قد ذكرها هذا الأخير على رأس قائمة هذه الإستراتيجيات العشر، وهذا فإن دل فإنما يدل على أهميتهما الإستراتيجية في الحكم والسلطة.

 الأمل

«اسمح لي أن أقول لك شيئًا يا صديقي.. الأمل شيء خطير.. الأمل من الممكن أن يقود الإنسان للجنون». مورجان فريمان – فيلم إصلاحية شاوشانك.

ربما قد شاهد الجميع هذا الفيلم – إصلاحية شاوشانك – فهو لحد الساعة يعتبر وعلى حسب النقاد من أروع الأعمال التي حققتها هوليود منذ ذلك الوقت وحتى أيامنا هذه. الفيلم يحكي عن قصة المسجون ظلمًا «أندي دوفرن» الذي حكم عليه بالمؤبد بعد اتهامه بقتل زوجته.

أفنى هذا الرجل 20 سنة من حياته وهو يحفر في زنزانته الصغيرة لكي يتمكن من الهرب. كما قال مورجان فريمان عن صديقه: «أندي دوفرين الذي زحف خلال نهر من القاذورات وخرج نظيفًا على الجانب الآخر».

– ربما قد يتساءل سائل عن العلاقة بين الفيلم والسياسة. الفيلم في الواقع ومن وجهة نظري يسرد للمفكرين العربيين حكاية شعوبنا التي تحاول الحفر والزحف خلال أنهر من القاذورات السياسية منذ سنوات قصد الهرب من هذا السجن الذي أحاطنا به الأمير. ربما ليس سجنًا بالمعنى الحرفي، لكنه حين تستطيع أن تفعل ما يحلو لك ما دمت مواليًا للأمير، ولا تشكل أفعالك مصدر خطورة بالنسبة له.

لا يأمل الأمير أن تكون نهايته مثل نهاية الفيلم، لأنه في الأخير سيتمكن السجين من الوصول إلى الجانب الاخر بعد أن أمضى حياته وأفنى كل وقته في الحفر والنقب باحثًا عن الحرية التي يريدها.

ارم بأفكارك إلى الشارع.. تحتضنها الشعوب 

– ما أثار دهشتي واستغرابي في الأمير ليس فقط قبعته الغريبة، إنما قدرته العجيبة على جعل الشعوب متمسكة بأفكار لم تكن لهم الحرية في اختيارها، ويبدو أن الأمير يعتمد في إستراتيجيته هذه على التلاعب بالعقول، حيث يجعل الشعوب مهتمة بالفكرة كما لو أنها من لبنة أفكارهم، بداية من غرسها والدفاع عنها وصولًا إلى المرحلة التي تجعل المواطن المغسول الدماغ مستعدًا لأن يدفع حياته ثمنًا من أجلها.

الشعوب الأخرى التي لا تستعبد ولا تستغل، إنما تستمد سلطتها من حكامها، أما الشعوب المستبدة فتستمد جهلها وفقرها من أفكار حكامها.

صديقك في الخفاء.. عدوك في العلن

«في السياسة ليس هناك عدو دائم او صديق دائم هناك مصالح دائمة» -* وينستون تشرشل.

 

يكتسب الأمير عادة سلطته وسيادته من الطريقة السياسية التي يتعامل بها مع أعدائه في الخارج، تلك السياسة الخارجية التي تجعل له مركزًا مؤثرًا بين الشعوب والدول، لكن السياسة الداخلية تختلف أحيانًا، فيجب على الأمير أن يقوم بخلق أعداء وهميين بالنسبة للشعب، لكن في العلن هم حلفاؤه وأصدقاؤه

اللهجة القوية التي يتعامل بها الأمير مع هذه الدول تخدم مصالحه كثيرًا حيث إنها تجعله يبدو قويًا ومناضلًا أمام شعبه فهو يعمد إلى خلق صورة ذلك العدو الشرير في نفوس الشعب لكي يجعل من نفسه ذلك البطل الذي سيضحي بحياته من أجل الوطن والشعب، لكن حقيقة الأمر هي العكس تمامًا، إنها مجرد مصالح سياسية تضمن للطرفين غناءهما.

 الفزاعة

 «إذا أردتَ أن تسيطرَ على شعب.. أخبرهم أنهم معرضونَ للخطر.. وحذرهم أنَ أمنهم تحتَ التهديد.. ثم شكك في وطنيةِ من يعارضــــكَ». -*أدولف هتلر.

يعتبر أدولف هتلر من الشخصيات المفضلة بالنسبة للأمير، فهم يتشاركون تقريبًا نفس الطبائع الديكتاتورية التي تحكم بها الشعوب المستبدة ومن السياسات التي كان يفضلها هتلر «سياسة الفزاعة» يعتمد الأمير هذه السياسة بصفة دائمة، فهو يميل إلى إيهام الشعوب بأنها في حالة خطر دائم، فتظل تلك الشعوب خائفة مترقبة لا حول لا لها ولا قوة حتى تدرك أن الأمير كان يمثل الخطر الأكبر بالنسبة.

عزيزي القارئ اذا كنت من الشعوب المستبدة، فيمكنك أن تحسب كمية الفزاعات التي تلقيتها في حياتك، ثم أدركت بعدها أنها محض دمى جامدة حركتها أيادي الشر لإخافتك

أوجد المبرر قبل أن تخلق المشكلة..

«أكله الذئب»

يعتمد الأمير في سياسته هذه على تحقيق الدليل وإيجاد التبرير حتى قبل أن يفكر في المشكلة أو حلها، فهو مجبر على أن يحفظ ماء وجهه بأدلة تبدو معقولة للعقل البشري البسيط الذي نخره الجهل والفقر والآفات وغيرها.. لدلك يميل هذا البسيط إلى تصديق تلك المبررات التي يخبرها به، ثم يعهد إلى غرس تلك الآلية المسماة بآلية التبرير في نفوس البسطاء والتي تعتبر حيلة نفسية يلجأ اليها الانسان ليقدم أعذارًا أخلاقية لعمل غير اخلاقي قصد القضاء على حالة القلق والمحافظة على استقراره النفسي الداخلي.

 المرآة الخادعة

وينستون تشرشل: «كل شعب يستحق الحكومة التي تحكمه».

الكاتب: قد تكون مخطئًا هذه المرة يا صديقي!

هذه الظاهرة الغريبة والتي اسميها «المرأة الخادعة»، والتي يمكننا ببساطة تعريفها بالمرأة التي تخدعك، كما لو أنك ترى نفسك وأفكارك وأخطاءك مجسده في الحكام الذين يحكمونك. فتجد نفسك تتحمل مسؤولية ذلك، بل تلعن نفسك كما لو أنك قد ساهمت ولو بالشيء القليل في فقرك وجهلك وعبوديتك وينتج عن ذلك أنك تجد نفسك عوض أن تلوم وتتذمر ضد من يحكمك، تقوم ببساطة بلعن نفسك وإيهامها بأنها قد تستحق ذلك. يحب الأمير هذه الفكرة كثيرًا، فهي تجعله بعيدًا عن كل الشبهات والنقائص وتضع ذلك المواطن البسيط في دائرة الاتهام.

 طبعا وينستون محق فيما يقوله، لكنه كان يتكلم انطلاقًا من فكرة الحرية الديمقراطية التي تمنح الشعوب الحق في تقرير مصيرها وفي اختيار من يحكمها. لم يكن يعني تمامًا تلك الشعوب التي تعرف رؤسائها حتى قبل انتخابهم.

في الأماكن المضيئة بالديمقراطية من هذا العالم يحاول الحكام إرضاء الشعوب لكي يعاد انتخابهم، بينما في الجانب المظلم تحاول الشعوب إرضاء الحاكم لكي يعاد وانتخابه.

«حافظ على مسافة الأمان».

«أكلت يوم أكل الثور الأبيض»

يعتمد نجاح الثورات في هذا العالم غالبًا إلى قدرة الشعب على التخاطب مع من يحكمونه دفعة واحدة ونلاحظ ذلك في المسيرات والمظاهرات التي تقوم بها الشعوب عندما بغية التغيير الثوري، وهنا تكمن صعوبة ذلك بالنسبة للأمير فهو لا يحبذ تمامًا مخاطبة الشعب له بصوت واحد، مطالبًا بطلب واحد، فهي تعتبر بالنسبة له بمثابة الضربة القاضية.

الأمير بطبعه ذكي، لكنه جبان، وهو يعلم تمام العلم بأنه ليس مستعدًا لمخاطبة الشعوب دفعة واحدة، لذلك يميل إلى تفكيكهم إلى منظمات وهيئات وخلايا لكي تسهل السيطرة عليهم.

اكتب التاريخ وتنبأ بالمستقبل

«ما دامت النمور لا تملك مؤرخيها، فإن حكايات الصيد ستظل تمجد الصيادين». -*مثل افريقي

يحرص الأمير على أن يكتب التاريخ بنفسه، ويحرص على أن يذكر اسمه بحروف من ذهب في صفحاته وأن يسرد التاريخ حكاياته البطولية التي تروي كيف ضحى بنفسه من أجل أن تعيش الأوطان في أمن وأمان. ليس ذلك فقط، بل يعمد إلى تزييف التاريخ وتلفيقه لكي يحسن صورته وينسب إلى نفسه نجاحات غيره.

التاريخ الغامض للأمير لا يجب أن يظهر للعلن، وإنما من المفضل أن يبقى مظلمًا مبهمًا في صفحات التاريخ، ببساطة؛ لأنه لا يريد للأجيال القادمة أن تقرأه.

ما دام الأمراء يكتبون التاريخ، فلن نرى حكايات تمجد بطولات الشعوب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد