اختيار علني

دخل مدير المرحلة الثانوية علينا وقت الامتحان قبل الأخير في الصف الأول الثانوي، يسأل جميع الطلاب عن التخصص الذي سيدخلونه (أدبي أم علمي).

وهنا بدأت أرى الشقوق الموجودة في المنظومة التعليمية لأول مرة، فالأغلب اختار أن يكون «علميًّا» رغم أنه يلعن كل موادها ويكرهها من رياضياتها لأحيائها، وكان المدير حين يختار أحدُ الطلاب الفاشلين – من وجهة نظره – «علمي» كان يتهكم عليه بالسخرية غير لاذعة، وكان هناك اثنان اختاروا «أدبي» كان يصمت المدير برهة حين يكتب أسماءهم في ورقة وينظر إليهم الطلاب في دهشة أقرب للاستغراب والدونية، وكنتُ أنا ممن اختاروا «علمي» ببساطة لأني لم أُفكر في «أدبي» ربما لنشأتي وسط عائلة من الأطباء والنسل العلمي الذي أراه في كل من حولي فكأني طفل لم يسمع حرفًا من أي لغة غير صوت الحيوانات فلم يفكر أن هُناك لغة قط غيرها، لكن ظللت فترة أتذكر نظرة المراقبين والمدير وباقي الطلاب للاثنين اللذين اختارا «أدبي»، أحسستُ أن الطلاب سيشيرون بأصابعهم إلى طالبي الأدبي ويضحكون عليهم بصوت فج ويقولون «هؤلاء أدبي» وتزداد الضحكات وسط دموع الطالبين اللذين يفران من لجنة الامتحان باكين بحرقة، مشهد درامي ركيك لكنه يواكب سطحية وركاكة ما سأراه في السنتين القادمتين بعد ما اخترت – فيما بعد – أن أكون في فئة أدبي.

منذ ما ذهبت إلى المدرسة لتغيير اختصاصي – وكأنني سأغير بفصيلة دم النبلاء فصيلة دم من الفقراء والعبيد -، قال لي مساعد المدير الذي كان يعرفني مباشرة «أنت شاطر كنت هتنفع في علمي». لا أعرف إذا ما كان ذلك مدحًا لي أم ذمًا في اختياري الجديد، لكنه بالتأكيد كان رؤية ثانية لتلك الطبقية في النظرة لكلا الاختصاصين.

أقوال

«واضح إنك أدبي»، «أنت كان تخصصك أدبي، أه عشان كده».

هذه كانت عينات مما كنت أسمعها تجاه أي أحد لا يُظهر الذكاء المناسب تجاه أي شخص. يتهمه بتهمة خطيرة تسمى «الأدبي» أن تكون «أدبيًّا» يعني أن أنت أدبي، الكملة تقال كأنه عار فرضه عليك غباؤك لأن تكون في هذه الفئة متدنية الذكاء، عديمة الإدراك والاستنباط لا تقدر على أن تقوم بأي عملية عقلية بسيطة سوى الحفظ، نعم فأدبي منبع ينهل منه كل من يريد أن يبسطها على نفسه ولا يفعل أي شيء سوى القص واللصق، أما علمي فهي فردوس العلماء المحتملين الذين يفهمون كل شيء عكس الآخرين «الحفّيظة».

كان مُدرسي في المرحلة الثانوية لمادة علم النفس رجلًا يعرف قيمة ما يقدمه بالفعل، كلما قال أحد معنا أن لا داعيَ لأن نفعل كل شيء بحذافيره «نحن أدبي يا أستاذ»، وكأنه جواز سفر لكل فرصة تراخٍ وتكاسل، فنحن أدبي مرحى، الليلة خمر ونساء وغدًا نحفظ هذه المواد، كان الأستاذ يحثنا دائمًا على إطاحة هذه الفكرة من عقولنا، جزاه الله خيرًا، لكني في الحقيقة كنت أرى في تعامل الآخرين شيئًا من الدونية، يؤثر على الطالب مباشرة وينزله أسفل سافلين، هل تراني أُبالغ فيما أقول؟! إذًا دعني أبرهن لك من خلال تجربة علمية حقيقية.

تجربة بسيطة في علم النفس

اختار الباحثون فصلين في مدرسة ما، مقاييس الذكاء والنتائج الدراسية متساوية فيما بينهما، هلَّ العام الدراسي وجاء مُدرس جديد لهما، الباحثون قدموا للمُدرس الفصل الأول على أنه فصل من المجتهدين والأذكياء، بينما الفصل الثاني قالوا له إنه فصل من المشاغبين الأغبياء.

والنتيجة بعد ذلك، أن الفصل الأول كانت نتائجه الدراسية تسبق الفصل الثاني، رغم أنه فيما سبق كانت لهم نفس النتائج تقريبًا، لكن إعطاء نظرة مُسبقة لفئة معينة تؤدي في النهاية لتأكيد ما قيل لك فترى فصل المجتهدين مُجتهدين حتى لو تكاسلوا، وترى فصل الكسالى كسالى ولو اجتهدوا.

وفي رأيي فيما حدث أن لا تقتصر عدوى الرأي السيء أو الإيجابي عند المصدر والمتلقي بل تنتقل إلى أوساط التعامل، ليرى الطلاب أنفسهم كما يراهم الآخرون أقل ودونيين، فما بالك بنتائج عدد ضخم من الطلاب في وسط كبير مثل المجتمع مترسخ فيه هذه النظرة؟!

نظرة الطالب إلى نفسه

أخبرني كيف ستكون نتائج طالب يظن أنه أدنى من أصدقائه، أصدقائه الذين كان معهم منذ سنة أو اثنتين على دكةٍ واحدة، يذهبون معًا ويتلقون نفس الدروس ويمتحنون نفس الامتحانات لمدة أعوام، كيف ستكون نفسيته وهو يظن بل ويؤمن أن أصدقاءه أذكى منه وأنه سقط في هوةٍ عميقة تعتبر ملاذ الأغبياء والمتساهلين وراغبي الحفظ دون الفهم.

أنتم تدمرون شبابًا، ترجعونه رغم أنفه لمرتبة أقل وأدنى من أجل نظرتكم السطحية، لن أكون متعجرفًا وأقول أن هذا «مجتمع علمي متعفن» لكن تبقى الحقيقة أن الوضع ظالم، ولا حل سوى تغيير ثقافة وإرث نتن يضر ولا ينفع.

نظرة للوضع العام

إني أرى هذه التقسيمة من الأساس خاطئة، لماذا يحددون لي موادَّ بعينها دون أخرى حتى لو كنت متفوقًا في جُلها، إني أُحب الرياضيات وعلم النفس والتاريخ والفيزياء والفلسفة، لِمَ لا أدرس ما أُحب أو ما تؤهلني درجاتي فيه على الأقل؟

لماذا الأبيض والأسود فقط؟! لماذا ليس هناك هذا اللون الرمادي؟! ألا يوجد حل وسط لِمَ أنا متفوق فيه من وجهة نظركم، هل ترون كُل العقول والنفوس والميول كلها تتناسب مع هذين اللونين؟!

قد خسر هذا البلد تجارب وأبحاثًا وحلولًا مبتكرة للرياضيات والفيزياء والأحياء لمجرد أن عددًا من الطلاب وضعوا في قالب مواد الأدبي فقط، وخسر أقوالًا وطُرقًا ورؤى جديدة للفلسفة والتاريخ والمنطق لأنهم اكتفوا بمواد علمي فقط؟!

كلنا نخسر، عقول تُخمد، آراء تُدفن، شُعل تُطفأ في منعطف هذا الطريق الوعر، فلنأمل أن يستطيع جيلنا تغيير هذا الحال وجعل الأجيال القادمة بين مصير إبداع عقولهم، لا بين الأدبي والعلمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التعليم
عرض التعليقات
تحميل المزيد