قال أحد قادة الثورة الفرنسية العظمى 1789، سان جوست: «إن من يصنعون نصف ثورة يحفرون قبورهم بأيديهم». هذه مقولة صحيحة أكدها التاريخ القريب والبعيد. ولكن الأكثر صحة اليوم أن من يرفضون الثورة يرفضون في الحقيقة كل تغيير، أو حتى إصلاح حقيقي، فهم بالتالي من سأذكر فيهم قول شخص يدعى غسان مات قبل أن يبلغ الأربعين، الثائر القدوة «غسان كنفاني» حيث قال: «إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية.. فالأجدر بنا أن نغير المدافعين.. لا أن نغير القضية».

الديمقراطية مطلب الأرزقية؟

لقد شجعت ظروف السنوات الأخيرة كل ألوان الطيف السياسي في فلسطين على الحديث بجرأة غير معهودة عن التغيير، أو بالأصح المطالبة بذلك. الأمر ذو الدلالة أن غالبية الفصائل الوطنية والإسلامية «الأرزقية» أجمعت، مع خلافها على بعض التفاصيل هنا وهناك، على أمرين:

رفض أى من أشكال الثورة والمقاومة الشعبية في مجابهة المؤسسة الصهيوينة.

العمل على رفع شعار «الديمقراطية السياسية» وسيلة تبرر غاية ما يطلق عليه المصلحة الوطنية.

فقد بات من يتغنى بانتفاضتي الحجارة 1987م، والأقصى 2000م، أمهر المتخصصين في الوعظ حول مخاطر الهبات الشعبية. ممن كانوا ذات يوم يرفعون الرايات الصفراء، ومن كانوا وما يزالون يرفعون الرايات الخضراء التي كُتب عليها «لا إله إلا الله»، اتفقوا على أن مرحلة اللاحل السياسية الغاية التي تسبق كل غاية.

«الديمقراطية السياسية»، برغم بريقها، فهي شعار ليبرالي رديء. فكما يرى الليبراليون المعاصرون أن المجتمعات بحاجة إلى إدارة رشيدة، كذلك فإن الرشادة في السياسية تعتمد على آليات الديمقراطية، وعلى رأسها الانتخابات التشريعية، التي من المفترض أن تكون دورية بحيث تعمل على اختيار الأكفأ لإدارة المجتمع في كل مرحلة من مراحل تطوره.

وبما أن المجتمعات تتكون من طبقات متصارعة ومتناقضة المصالح. وكما أن السلطة ليست حكمًا عادلًا بين تلك الطبقات، فالسلطة جهاز يحفظ بالقوة المسلحة مصالح الطبقة المسيطرة اقتصاديًّا واجتماعيًّا في نهاية المطاف. من هنا فإن الديمقراطية، كما نراها في المجتمعات المعاصرة، هي آلية شديدة الخصوصية لضمان استمرار سيطرة أصحاب الثروة والسطوة.

وكالمعتاد، فإن الطبقة المنتفعة تفضل من حيث المبدأ، الديمقراطية. فميزة الديمقراطية أنها تسمح لأولئك أن يغيروا من سياسات السلطة من مرحلة لأخرى وفقًا لمصالحهم من خلال آلية تمنع أي تناحر أو عنف، وتعطي الانطباع بالمشاركة الجماهيرية. بعبارة أخرى، الديمقراطية من وجهة نظر الانتهازيين هي آلية سلسة وسهلة لتغيير السياسات العامة بلا مخاطر.

لذلك لا تلجأ الطبقة المنتفعة للديكتاتورية إلا عندما تكشف لها الأحداث أن الديمقراطية تمثل خطرًا داهمًا على مصالحها، ويصبح النظام السياسي عبئًا عليها.

* أفيون الشعوب

يتعفن النظام فنبحث عن حل، ويطرح الكثيرون رؤاهم فتتجه كل كتلة وراء الحل الذي يقنعها، تتنوع الحلول ولكنها جميعًا تصب في أحد طريقين: الإصلاح أو الثورة. الإصلاح كلمة جميلة مضللة، فقد يكون هدف الإصلاح هو خفض حدة التوتر الطبقي، وإعادة السيطرة عليه، في هذا الحال، يقدم الإصلاح نفسه في المآزق باعتباره تغييرًا، ولكنه في الحقيقة استمرار للوضع الظالم، ولكن «بنيو لوك» جديدة! وأغلب الناس يميلون للإصلاح لأنهم يعتقدونه الحل، ولأنهم يخشون عنف الثورة، أو لأنهم لا يرونها ممكنة، ولكن الإصلاح قد يصير مخدرًا وليس حلًّا، وإن آلامه بعد زوال المخدر أشد فتكًا من جراحة الثورة.

*ثورة دائمة أم ثورة مُجهضة؟

من هنا فإن من يتحدثون عن ثورة جماهيرية في فلسطين ليسوا بالحالمين. الوضع السياسي كله يشير إلى هذا الاحتمال.

المشكلة – كما يمكن أن نستشف من كل مشاريع الإصلاح المطروحة– أنهم يريدونها ثورة سياسية فقط. الليبرالية السياسية المهادنة أصبحت اليوم دينًا مقدسًا لغالبية المتأسلمين أو اليساريين. وهي ستجد لنفسها ألف مدافع في غمار المعركة. النشيد الجماهيري المفضل لكل هؤلاء سيكون «عودوا إلى منازلكم واتركوا للطبقة السياسية الفرصة لتؤدي دورها»، «كفوا عن القتال ودعوا السادة المحترمين يقررون كيف يمكن استثمار نصر صنعتوه أنتم بدمائكم».

ينبغي أن يكون الرد الشعبي على من سيسعون بقوة الإقناع وقوة السلاح إلى إيقاف عجلة الثورة عند أضيق الحدود السياسية هي «الثورة الدائمة». فلمّا تثق الجماهير بنفسها، وتعرف من تجربتها أنها هي صانعة الحياة والتاريخ، تولد الفرصة أن تتجاوز الثورة أفق التغيير السياسي إلى آفاق أرحب وأعظم. فتكون المجالس الشعبية والثورية المثقفة التي لا بد من نشوئها بشكل تلقائي في معظم الانتفاضات والثورات.

في غالب الأحيان يُطرح دائمًا سؤالًا أساسيًّا: هل نكتفي بما سيحدث من إسقاط للنظام الحالي ونحل مجالسنا ونعطي الفرصة للطبقة القديمة أن تدير الأمور؟ أم أن علينا إعطاء مجالسنا مهام وسلطات أوسع لتحسين أحوالنا اقتصاديًّا واجتماعيًّا؟ هل نعود إلى البيوت؟ أم نواصل الثورة؟ اقرأ تاريخ كل الثورات ستجد هذا السؤال مطروحًا، وستجد دائمًا أن الإجابة النهائية تعتمد على وجود قوة منظمة تدافع سياسيًّا وعمليًّا – ومن خلال التجربة– عن ديمومة الثورة حتى تقضي الجماهير ليس فقط على نظام سياسي تعفن، وإنما على علاقات اقتصادية واجتماعية فقدت مبرر وجودها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد