منذ أن تعرفت على أيدولوجيات المجتمع وتياراته من يمين ويسار وعلمانية وليبرالية ويمين محافظ وأقصى لليسار، وأنا أتخبط في حرّيتي، فهل علي أن أنتمي لتيار؟ وماذا لو كان تيارًا فضفاضًا؟

لا شك بأن لهذه التصنيفات أثر، فالمتابع للقرارات التي يتخذها أصحاب السلطة في العالم ككل لا يمكنه فصلها عن انتماءات صاحب القرار وتياره المختبئ خلف الكواليس.

ولكن هذه المفاهيم التي ظهرت قبل مئات السنين والتي تدعو إلى التقدم والتطور، لم تعد كما ظهرت بسمو الفكرة ورقيها، بل تاهت في معركة السلطة وكان من الممكن زعزعتها؛ فتيار اليسار – على سبيل المثال – ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي، الذي كان شوكته القوية، توقف عن كونه فكرًا ثوريًا يناصر الكادحين والعاملين، واكتفى بكونه أيديولوجيا ذات تفرعات عديدة أضعفته، تبحث عن الشهرة والنفوذ، وصار من الممكن استمالتها حسب المصالح الشخصية وعلى حساب الفكر الحر، ومع أن أفكاره الأولى مستوردة في العالم العربي، إلا أنها لاقت قبولًا على عكس أفكاره الجديدة.

ومن جهة أخرى يبحث فيها تيار اليمين أيضًا عن السلطة والنفوذ إلا أنه عرف كيف يكسب الشعب المحافظ في صفه فاستخدم الدين والتغلغل المجتمعي لأجل مصالحه وتمركز بمؤسسات مجتمعية لها كيانها واسمها وشيوعها حتى الآن مع تسييسها تحت بند الاسم.

لست في اليمين ولا في اليسار، ما دام اليمين مقيِّدًا، وما دام اليسار تائهًا مقلدًا بدون فكرة. ولست علمانية أيضًا ما دامت العلمانية لم تكتف بالدعوة لفصل الدين عن حياة الدولة وسياستها، وتعدّت ذلك للهجوم على الأديان وصب غضبها عليها غير مصادقة بفكرة وجودها الأزلية وغير مصادقة بذلك على حرية الفرد في الاختيار، فمع أن العلمانية ظهرت بعد (هجين الحرية والعلمانية) المتمثل بالليبرالية، إلا أن الخلط بينهما ما زال قائمًا ومجحفًا في حق الأخيرة؛ فالليبرالية الحقيقية التي تضمن للفرد مساحته من الحرية وتدعو لعدم التدخل في القرارات والميولات الشخصية للأفراد كانت فكرة سيكتب لها النجاح العربي لو أنها ظلّت حقيقية ولو أنه تم فصلها عن المفهوم العلماني وكنت سأكون ليبرالية ربما لو أنها لم تُشوه بفعل منتسبيها، الذين لم يكفوا عن النبش في مساحات الآخرين، ولم يردعهم انتماؤهم الليبرالي عن كونهم علمانيين، بل على العكس كانت ستسحب المجتمع إلى مفهوم حقيقي وناجح للديمقراطية في جميع مجالات الحياة كما في الليبرالية الغربية!

إن الداعي إلى الحرية لا يمكنه أن يكون ديكتاتورًا مسحورًا بالسلطة ينهش في كرامة الضعيف ويقيد اختياراته لاغيًا بذلك أي مفهوم للحرية، فالمفاهيم متعددة الوجوه للتيار الواحد تجعله مبهمًا وفضفاضًا وغير مُتقبّل، يتغير كل مرة جزءًا فيه كان واجب الوجود مع تغير المجتمع ويتزمت على الجزء المراد تغييره!

خير الأمور أوسطها وأقومها وأرجحها للعقل والحرية معًا، فلو كفّ اليمين عن تدخله في المجتمع وكف اليسار عن ترديده للشعارات أكثر من فعله، ولو أن العلمانية لم تكن مجحفة في انتماءاتنا الدينية، ولو أن الليبرالية لم تُشوّه، أي لو عُدلت هذه المفاهيم في شكلها الصحيح بدون تطرف لأي توجه، لكان من الممكن تلاقيها في خدمة الدول، ولكان هذا الوسط الذي يُدعى إليه في المنابر والمنصات ممكنًا، ولكان سهلًا على الواحد منا أن يتوافق مع الآخر، ولكان من الممكن أن يكون أحدنا محافظًا اقتصاديًا وليبراليًا اجتماعيًا ويساريًا متجددًا وعلمانيًا حرًا في الوقت ذاته، ومن شأن الآخر أن يكون ما يحلو له طالما أنه لا يعادينا في تعارض انتماءاتنا.

لذا فإن طيّ صحيفة أي تيار متزمت يتخلى عن فكرته الحرة لأجل المصالح الشخصية هي أول ما يجب فعله للإصلاح!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد