إن الحديث عن أطفال الشوارع يعد من بين أبرز المواضيع المهمة، التي تثير القشعريرة في جسدنا، لم لا، وهو موضوع نلامسه ونشاهده كل يوم، فهو من المواضيع التي باتت تشغل بال الكثيرين، خصوصًا ما نشاهده من أطفال وهم نيام جياع على أرصفة الشوارع، تكسوهم شبه ملابس رثة ممزقة لتدفئ جسدهم الصغير من ولعة البرد القارس، تفوح منها رائحة لا داعي لوصفها.

فالحديث عن هذا الموضوع يثير في النفس مجموعة من التساؤلات التي طرحت وما زالت تطرح، لم هم هكذا بلا مأوى، وبلا طعام، وبلا إنسانية، نعم بلا إنسانية؛ فقسوة الشارع انتهكت حرمة إنسانيتهم وبراءتهم التي لم يعد من وجودها سوى الاسم فقط، هل وجودهم كان عبثًا في هاته الدنيا؟ وكأنهم يؤدون غلطًا ارتكب في زمن ما، أطفال حاقدون، عن الآباء حاقدون، عن أطفال أمثالهم يعيشون حياة سوية غير مضطربة لا يكسوها العنف ولا القهر، حاقدون على المجتمع، لا يرون انتماءهم لأي شيء سوى للشارع، رغم هاته الكلمة اللاذعة، لكنها تظل مرتبطة بهم كارتباط الروح بالجسد، لا هم قادرون على التحرر منها، ولا هي قادرة عن الاستغناء عنهم، لن يفرق بينهم سوى الموت، الموت فقط، فوصمة الشارع أصبحت لصيقة بهم كوصمة عار، نعم عار على المجتمع ككل، فلا أحد يقبل أبناء أمثالهم، ولا أحد يود اختلاط أبنائه بهم، ولا أحد ينظر إليهم نظرة أطفال أمثالهم، بل نظرة شفقة ونظرة اشمئزاز، وطبعًا لم ولن يشغلهم أحدًا، لا حاضر ولا مستقبل في مكان محترم يليق بهم كأناس لهم حقوق وعليهم واجبات، لا يوجد سوى من يود أن يستغلهم لأغراض رذيلة دنيئة فقط، أما عن التمدرس فلا حديث عن ذلك.

أما الحديث عن أسرهم، فتتعد الأجوبة وتحتار من بينهم أي جواب سيصدمك أكثر من الآخر، فهناك من يعرف أسرته معرفة جيدة، لكنه لا يريد العودة إليها، وإن كان حقًا يطلق لقب أسرة عليها، وهناك من لا يعرف أباه ولا أمه، وهناك من يعرف أمه فقط لكنها تخلت عنه بمحض إرادتها، وزجت به إلى أرصفة الشوارع، كأن هاته الأخيرة أكثر حنانًا وأمانًا منها، كأنه وصمة عار لها لا تود لقياها مستقبلًا، ولا الاعتراف بها حاضرًا، أما الحديث عن الأب، رغم أن هاته الكلمة عظيمة وجليلة في معناها وفي دورها السوي في حياة الأبناء، فلا يستحقها أيًّا كان، إن كان السبب في وجودهم فقط.

فالأب والأم كينونة ذات أبعاد جليلة، لا يقتصر دورها في ولادة الأبناء فقط، فحتى إن كانت لهم ظروف لا نعلم خباياها وثغراتها، وكيفما كانت هاته الظروف، فلا يحق لهم أن يفعلوا هكذا في فلذات أكبادهم، وكأنهم أناس بلا ضمير، وبلا حياة، كيف لهم أن يناموا في بيوتهم وأبناؤهم نيام على أرصفة الشوارع، طعامهم بقايا من قمامات الأزبال، لغتهم لغة الشارع، لغة القسوة، والعنف، والفقر، والاستغلال، تتعدد الحالات وتتنوع فيمن يستحق الجائزة عن الظروف الأكثر قساوة، لكن تظل الكارثة واحدة ووحيدة، أما منظر تسكعهم وتعاطيهم للمخدرات، ولأرذل الأنواع؛ لتخدير عقولهم الصغيرة بكراهية العالم، فتجد في وجوههم آلامًا وصرخات ومآسي تحكى من تجاعيد وجوههم البريئة، التي باتت تعكس روحهم، التي بدورها أصبحت كروح عجوز كئيب أنهكه المرض، لا ينتظر سوى موته، أو أن يطبق عليه الموت الرحيم فقط، ولا يرون من أنفسهم سوى ضحايا، ضحايا لكل شيء ولأي شيء، أما الحديث عن مستقبلهم فيعد بمثابة وصف الحياة لشخص أصم أبكم كفيف، كل شيء مبهم، ولا شيء واضح، فالبحث عن قوت يومهم سيكون بطرق غير مقبولة لا أخلاقيًّا، ولا دينيًّا، ولا مجتمعيًّا، فكيف يكون لنا الحق في أن نحاسبهم على أشياء لم يتلقوا غير عكسها؟ وتلك الطرق تظل الميسرة لهم لجني بعض الدريهمات المعدودة على رؤوس أصابعهم، لا ننكر أن أفعالهم تخالف ضوابط المجتمع وتنتهك قوانينه، لكن عن أي قانون نتحدث، وفي المقابل عن أي حق انتهك لهم هل الحق في الحياة السوية الكريمة، أم الحق في الصحة، أم الحق في التعليم والتمدرس، أم الحق في الأمن والأمان، أم الحق في العيش في بيت يحمل في طياته الدفء والحنان العائلي الذي لا يعرفون عنه أي شيء، فهنا هل يمكننا دحض مقولة فاقد الشيء لا يعطيه؟ هل يمكن محاسبتهم عند سرقة طرف الخبز ومعاقبتهم كمعاقبة باقي الأفراد؟

قد يتبادر لذهننا لوهلة فقط أن كل فرد باستطاعته تغيير مصيره مستقبلًا لكننا سنكون نضحك على أنفسنا، فلا شيء يتغير في الطبع، فالتربية تؤثر لكن إن كان لا تربية، ولا أخلاق، ولا تمدرس، ولا مبادئ، ولا أي شيء كيف سيكون مستقبل هذا الفرد؟ هل سيكون رجلًا قدوة لأبنائه مستقبلًا؟ أم هل ستكون امرأة ناضجة تربي أجيالًا عظيمة؟ فالمشكلة أعمق من مجرد الحديث عنها في بعض السطور، إنها حقًّا معضلة تستدعي تدخل كل أطراف المجتمع لحلها؛ فالكل مدان في وجود ذلك، ورغم كل هذا وذاك، تظل هناك استثناءات، فلا نعلم ما يخفيه المستقبل لهم، لكن ما نعلمه حقًّا أن حصاد الغد هو زراعة اليوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد