هل استرعاك هذا المشهد! طفل صغير يتجول في الشوارع بين السيارات والأرصفة أو حتى في القطار، ويقول لك: مناديل يا أستاذ، مناديل يا هانم، حاجة لله يا بيه… إلخ. ثم يُتبعها بعدد من كلمات الرجاء: «والنبي، بالله عليك/ عليكِ»، حتي تشتري منهم أو تعطي لهم. أو قد ترى أطفالًا في ملابس رثة ممزقة ومتسخة، كأنما قد ولد بها، فلم يخلعها عنه حتى صارت كجلده؟ كونك مواطنًا مصريًا بالتأكيد مر عليك مشاهد كهذه، لكن هل تسألنا يومًا ما هية هؤلاء الصغار؟ أو إلى أين ينتمون؟ هل يقطنون البيوت مثلي ومثلك؟ وهل يوجد في قاموسهم اللغوي كلمة ماما أو بابا، وملحقات كلمة أسرة، وما إلى ذلك من معاني الحياة الاجتماعية؟

أطفال الشوارع.. من أين أتي هذا المسمى؟ من أين يأتي أطفال الشوارع؟

أطلق علماء الاجتماع هذا المسمى على الأطفال اللقطاء والمشردين في شوارع أمريكا اللاتينية. أما في المجتمع المصري فالوضع مختلف؛ ففي أطفال الشوارع لقطاء أو أيتام أو من لهم أسر وبيوت، لكن تدفع بهم ظروف عدة إلى الشارع. منها الفقر التام، وتردي ظروف الأسرة الاقتصادية فتدفع الأسرة بالطفل إلى الخارج للحصول على عمل وإيجاد المال، ومن هنا  تظهر مشكلة أخرى، وهي عمالة الأطفال. أو قد يكون نبذ الأسرة للطفل كلية، فمن الأطفال من  مات أحد والديه؛ فيقوم الطرف الآخر بطرد الطفل؛ لوجود زوج أو زوجة آخري. ومن الأطفال من يهرب بنفسه من جحيم العنف المنزلي والاضطهاد الذي يتعرض له إلى أرصفة الشوارع ويستظلون بأسقف الكباري.

كل هذا ينتج لنا نوعًا آخر من أطفال الشوارع، وهم أولئك الأطفال الذين ولدوا، فوجدوا الشارع محل ميلادهم، ومقرهم الرئيس، ذلك لأنهم يكونون نتاج علاقات غير شرعية بين أطفال الشوارع ذاتهم، أو ضحية للاغتصاب وغيره من الممارسات المشينة في حقوق تلك البراعم الصغيرة.

آلاف وملايين!

جاء في تقرير المنظمة التابعة للأمم المتحدة «اليونيسف» لعام 2015، أن عدد أطفال الشوارع في العالم أجمع يقدر بـ 150مليون طفل، نصيب العالم العربي منها عدد 10مليون طفل، وتتفرد مصر وحدها بـ 2 مليون طفل! وفيما جاء تقرير الحكومة المصرية للعام ذاته مناقضًا لما ورد في تقرير اليونيسف وفقًا لمسح الذي قامت به وزارة التضامن الاجتماعي حيث إن العدد وفق تقريرها هو 16 ألف طفل فقط! وبررت الوزارة ذلك أن تصنيف اليونيسف ضم الأطفال العاملين والأطفال الذين يقضون طوال يومهم بالشوارع، ثم يعودون إلى منازلهم، وأعطي لهم مسمى آخر، وهو أطفال بالشارع، وأنه يجب التفرقة بينهما!

ما يهم الآن هو كون المشكلة موجودة وأنها في ازدياد دائم. ومن المتوقع أن تزداد وتتفاقم؛ ذلك لأن السبب الأول لوجودها هو تردي الأوضاع الاقتصادية، والوضع الاقتصادي المصري لا يخفى على أحد، فمصر تواجه أزمة اقتصادية لا تحسد عليها، ويجب أن لا ننسى الوضع التعليمي في مصر، حيث قد خرجت مصر مؤخرًا من الترتيب العالمي للتعليم، والذي كانت تأتي فيه في مراكز متأخرة على أية حال.

حجرة عثرة في طريق تقدم المجتمع. إذًا كان رجال الغد وبناة المستقبل هم الأطفال. وإذًا كان هذا الفصيل الكبير منهم يقبع في الشوارع والطرقات فأي رجال ننتظر! وأي أجيال مجد نتطلع إليها!

لا أقصد بهذا بالوصف حجرة عثرة الذم في هؤلاء الصغار الذين حرموا الطفولة واللعب، و كل معاني البراءة، لكن هذا وصف لوضعهم الاجتماعي. إذا كان رجال الغد وبناة المستقبل هم الأطفال، وإذا كان هذا الفصيل الكبير منهم يقبع في الشوارع والطرقات فأي رجال ننتظر! وأي أجيال مجد نتطلع إليها! إن وجود فصيل كهذا، فصيل كبير من المجتمع، يعد وصمة عار في جبين المجتمع والحكومات، فإذ كان السبب هو فقر المجتمعات والانهيار الاقتصادي، فإن وجود هذه المشكلة تزيد المجتمعات فقرًا.

ومن أخطر ما قد يواجهه المجتمع من مشكلات هو أن هذا الفصيل لا يشعر أبدًا بانتمائه للمجتمع الذي هو جزء منه. فمنهم تتكون طبقة من الناقمين على باقي أفراد المجتمع، فتكون هي يد الفساد الأولى التي تضرب المجتمع في مقتل. ومثال ما قد حدث في ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، وما ورد من تجنيد أطفال الشوارع لحساب عصابات تخرب وتعيث في أرجاء القاهرة فسادًا مقابل أموال زهيدة ووجبات طعام. وقد ورد في تقرير قام به أحد الصحافيين بعد لقاء له مع عدد من أطفال الشوارع على أثر ما قاموا به قال أحد الأطفال: إنه لا أحد يهتم لأمرهم، ولا أحد يعلم ما يواجهونه من صعاب الحياة، وأنهم لا يستطيعون الحصول على طعام كاف، ولا ينالون قسطهم من التعليم. إن الأطفال في الحال تلك غير ملومين أبدًا، وذلك لأنهم هم الضحايا، وليس الجناة؛ ضحايا الإهمال الأسري والاجتماعي والحكومي.

صلة وثيقة بين انتشار الجريمة وأطفال الشوارع، أعطني طفلًا صالحًا، أعطك مجتمعًا زاهرًا.

أعطني طفل شارع، أعطك مجتمعًا فاسدًا.

تعد ظاهرة أطفال الشوارع عاملًا رئيسًا في انتشار وازدياد معدل الجريمة في المجتمع. وتتعدد ألوان وأنواع تلك الجرائم والتي من بينها السرقة، والاغتصاب، والتحرش والقتل وتجارة المخدرات، وتجارة الأعضاء. فقد ورد في تقرير للحكومة أن أطفال الشوارع في عام 2013 قد ارتكبوا 18 ألف جريمة في عام واحد! وذلك إلى جانب كون الخلايا التي يجتمع فيها هؤلاء الأطفال والأطفال أنفسهم بيئة خصبة للأمراض الخطرة والمميتة، حيث ذكرت الأمم المتحدة أن 25 % من أطفال الشوارع مصابون بالإيدز. بهذا نرى أن أطفال الشوارع تشكل تهديدًا لأمن المجتمعات و سلامتها. ومن هنا تنبع ضرورة وجود علاج لهذه المشكلة.

العلاج

لا شك أن علاجًا كهذا ظاهره صعب للغاية ومكلف، خاصة وإذا ما كانت منشأ المشكل هو الفقر! فكيف للحكومات الفقيرة أن تقوم بذلك. من بين الحلول التي أقدمت على فعلها الدول التي تعاني من هذه الظاهرة، هو بقتل هؤلاء الأطفال، أو ما يعرف بالتجربة البرازيلية حيث قامت قوات الأمن البرازيلية بشن حملات على أماكن هؤلاء الصغار بغرض تطهير العاصمة البرازيلية، برازيليا، منهم والقضاء عليهم، وذلك بقتلهم والمتبقي منهم انسحب إلى العشوائيات.

بالتأكيد هذا الحل أقل تكلفة، لكنه بالتأكد أكثر وحشية وأقل رحمة وإنسانية، فهم ليسوا جناة، بل إنهم ضحايا وقع بهم عقاب الجناة من قبل الجناة أنفسهم.

دعونا نسعى لحلول أكثر إنسانية ورحمة.

وهي أن:

  1. تخصص الحكومات ميزانية لعلاج تلك الظاهرة.
  2. تقوم الحكومة بعمل مسح شامل ودقيق لكل أطفال الشوارع في كافة المحافظات.
  3. تقوم الحكومة بفحص أحوال الأطفال وترى من منهم لقطاء، أو أيتام، أو متسربين من التعليم، أو هاربين من المنازل.
  4. تبني الحكومة شبكة تنمية، وإصلاحًا اجتماعي لضم كافة الأطفال فيها لتهذيب سلوكهم و وإعادة دمجهم في الحياة الاجتماعية.
  5. تقوم المؤسسات الاجتماعية بلم شمل الأطفال الهاربين من أسرهم، بشرط ضمان سلامتهم، وعدم تعرضهم للأذى.
  6. بناء مرافق مخصصة لأطفال الشوارع الذين لا توجد لهم أسر.
  7. تكوين شبكة تعلمية تأهيلية مخصصة لهم تقوم بالتركيز على رفع القيم والأخلاق لدي الأطفال والتحذير من العودة مرة أخرى لهذا النوع من الحياة.

وختامًا، لا يجب على المجتمعات معاملة هؤلاء الأطفال على أنهم مجرمون، بل إنهم هم الضحية الأولى لأخطاء المجتمع وأفراده. فما من طفل يريد التخلي عن لعب ولهو الصبا ليقذف بنفسه في مستنقع الشتات والمعاناة هذا. فرجاء دعونا لا ننظر لهم بعين الازدراء، بل بعين الرحمة والإنسانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد