كأم بديلة تحتضن جنينا تعذر عن أمه حمله لأسباب صحية، يحتضن الشارع التونسي منذ الثورة ما يزيدُ عن 8000 طفلا تعذر عن عائلاتهم رعايتهم وتكبد مصاريفهم لأسباب اجتماعية، ففُتح لهم باب الدار – إن وجدت – وبُعثَ بهم إلى الشوارع والأزقة يسكُونونها وإلى الطرقات يفترشونها، فتسوّلوا وتوّسلوا رغيفا – فقرشا واحدًا – حتى امتنعت عنهم الأيادي فنشلوا وسَرقوا واغتُصبت براءتهم فاغتَصبوا، وفُتحت لهم أبوابٌ – بعد أن كانت اُغلقت في وجوههم أخرى – وأيّة أبواب، إنّها أبواب الانحراف.. فانحرفُوا، حتّى تحوّلت الاّم البديلة إلى حقل ألغام وتحولوا بدورهم إلى قنابل موقوتة.

أكثر من ستة آلاف جريمة سرقة ونشل سنويا مرتكبيها أطفال حسب إحصاءات رسمية عن وزارة العدل. إحصاءات لم تثر لا دهشة ولا استغراب الشاب سيف، في الثالثة والعشرين من عمره، بل نسب انزلاق أطفال الشوارع نحو طريق الإجرام إلى الوضعية الاجتماعية الهشة التي تعيشها فئات عدّة من المجتمع التونسي، والبيئة الاقتصادية الحرجة التي ينشأ فيها هؤلاء الأطفال ما يستوجب خروجهم إلى العمل، ومن هناك تبدأ الحكاية.

مسألة أطفال الشوارع هي مسألة حساسة في تونس في ظل الوضعية الاقتصادية الحرجة التي تعاني منها كافة شرائح المجتمع، وهي ظاهرة كان مسكوت عنها قبل الثورة وتغطيها القوانين والبنود الدستورية التي تزين واقع الطفل التونسي، وهو ما تعرج عليه بعض الجمعيات الحقوقية التي تؤكد أن الطفل لا يحمل شيئا عند خروجه إلى الشارع غير براءته، وفي إطار مبادلة صغيرة بينه وبين الشارع، يفتك منه الشارع براءته ليمكنه من لقمة العيش.

ما لقيتش غير الحلوى باش نقاوم العلقم

إنه سليم، فتى في الخامسة عشرة من عمره، ضعيف البنية، ذو بشرة سمراء، يرتدي قميصا شُمِّرت أكمامه حتّى الساعدين وسروالا يبدو أنه انتقاه على عجلة من بين أكداس الفريب حتى أنه لا يناسب مقاسه تماما، أما حذاؤه فليس بحال أفضل، يقف أمام عربة يتوسطها مقود صغير و إناء ضخم كان يحرك فيه قطعا من الكاكوية والسكر الملون، حتى إذا تجمرت، يضعها في أكياس صغيرة يتسابق الاطفال على شرائها ما ان تداعب رائحتها العبقة أرنبة أنوفهم.

سليم يقول: (ما لقيتش غير الحلوى باش نقاوم العلقم)، حيث انقطع عن الدراسة منذ سنوات تعليمه الاولى، واُجبر على مرافقة أبيه أحيانا إلى إحدى محطات سيارات الاجرة، ليبيع بعض (السندويتشات) التي كانت تحضرها أمه في البيت وتضعها في قفة صغيرة في حجر أبيه، حتى يتمكن سليم من دفع كرسي متحرك بال يجلس فيه والده ومورد رزقه، لكن الأمر ازداد سوءا مع ملازمة أبيه الفراش؛ فاضطر هو للخروج لبيع هذه الحلوى.

سليم تسلح الحلوى خوفا من جرم الشارع، لكن أطفالا كُثر تسلحوا بالشارع لإطلاق صرخة ربما تقف على وهلها جمعيات حقوق الطفل ومجتمع بأسره، حيث يعتبر عالم الاجتماع الفرنسي لاكان أن جنوح الطفل في الشارع هو حوار عنيف مع الآخر، يحاول من خلاله انتزاع الاعتراف به كإنسان، وأن هذه النزعة التدميرية هي انعكاس للقلق الذي يعانون منه بسبب إقصائهم وتهميشهم من طرف أسرهم أو المجتمع الذي لا يأبه لوجودهم في الشارع.

وهو ما أشارت إليه مريم، شابة في الواحدة والعشرين من عمرها، مؤكدة أن طفل الشارع يسلك طريق الاجرام كتعبير ورد فعل تجاه الدولة بالأساس، خاصة وأن الجانب الانساني فينا، بدأ يضمحل وأصبح الجميع لا يرأف لمشهد طفل يتسول في الشارع.

ربما لم يجذب أطفال الشوارع انتباه المسؤولين، بقدر ما تحمست لوجودهم الجماعات الإجرامية، حيث تُشير إحصاءات عن وزارة العدل إلى أن 70% من أطفال الشوارع يستهلكون المخدرات، و50% مدمنون عنها، فضلا عن ذلك يؤكد معز الشريف، رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل، (أن خلايا الجماعات الجهادية قامت بتجنيد وترحيل ما يزيد عن 3000 طفل لا تتجاوز أعمارهم 15 سنة، في 2015 إلى ليبيا وسوريا والعراق للقتال).

كلُ الأصابع هنا تشير إلى خطورة الشبكات الإجرامية على أطفال الشوارع متناسين دور الدولة في حماية الطفل، وهو ما استفز السيد محمد أحمد، ( 48 سنة) فقال: (ليس كل طفل شارع يسلك طريق الإجرام هو طفل من دون أسرة، بل هو طفل خارج لائحة الدولة، لو قدّرت الدولة قيمة أطفالها لما سلك أطفالنا طرقات الإجرام ضدنا).

إذا تحول الطفل إلى مجرم.. فالمجتمع هو الضحية

السيد محمد كغيره من فئة لابأس بها من المواطنين الذين حملوا الدولة مسؤولية تضخم ظاهرة أطفال الشوارع في تونس التي لم تعد تهدد فقط بجرم الأطفال، بل أصبحت تشكل خطرا جديا على كافة أطراف المجتمع، حيث لم تعد جرائم الأطفال تقتصر على النشل أو السرقة، بل تؤكد المؤشرات الصادرة عن وزارة العدل أن جرائم العنف التي يرتكبها الأطفال تبلغ 5000 حالة سنويا فيما ترتفع الجرائم الجنسية إلى 2600 جريمة.

إن ارتفاع معدلات جرائم أطفال الشوارع في تونس هو نتيجة طبيعية لما تعانيه نسبة كبيرة من الأطفال من تهميش، حيث بلغ عدد حالات تعريض الطفل للإهمال والتشرد المشعر بشأنها لدى مندوبية حماية الطفولة بالمنستير 57 إشعارًا سنة 2016، أي بمعدل 4.6 حالة شهريا، حسب تقريرها السنوي، وقد تلقت المندوبية فقط إشعارين اثنين في ما يخص استغلال الأطفال في الجريمة المنظمة بكامل الولاية.

في وقت يتجاهل فيه المسؤولون الخروج في المنابر الإعلامية، والمقابلات الصحافية للحديث حول حقيقة مسألة أطفال الشوارع في تونس وتفاقمها بعد الثورة، تُطلق الجمعيات الحقوقية للأطفال صرخة فزع تخوفا من المستقبل المظلم لأطفال الشوارع، بل لكل الأطفال، فطفل الشارع لم ينشأ ضرورة في الشارع، بل تبناه هذا الأخير في ظل ظروفه القاسية ليدر عليه من خيره وشرّه،حيث تشير دراسة عن المركز التونسي للدراسات الاجتماعية أن 840 طفل من جملة 1200 طفل شملتهم عينة بحثية التحقوا بأطفال الشوارع بعد ثورة جانفي 2011.

كل هذه الأرقام والإحصاءات تجعلنا نتساءل حول أي مستقبل لأطفال الشوارع في تونس، وأي خطر يواجه المواطن التونسي، وأية حلول تتبعها الدولة في ظل تحول الشارع إلى حقل ألغام تجوبه قنابل موقوتة وسط تواصل صمت المسؤولين ونفض المسؤولية عنهم، وهنا هل يمكن القول إن امتيازات الطفل في تونس لا تشمل أطفال الشوارع، وهل طفل الشارع ليس تونسي الحقوق؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد