كانت المرة الأولى التي أحضر فيها عرضًا مسرحيًا في الهواء الطلق في شهر مارس (أذار) الماضي، قبل أيام من دق ناقوس الخطر لانتشار فيروس كوفيد-19 وإعلان حالة الطوارئ بالجزائر. كان العرض على هامش المقهى الثقافي لجمعية ركُح الواحات الثقافية لولاية ورقلة بصحراء الجزائر. هذا وقد سبق وأن حضرت عروضًا مسرحية عدة، وفي عدة مسارح بالجزائر وخارجها لإيماني العميق بقدرة هذا الفن على إصلاح المجتمع وصناعة الإنسان، مؤمنة بمقولة الكاتب الكبير والشاعر وليام شكسبير، «أعطني خبزًا ومسرحًا أعطيك شعب مثقفًا».

كان عرضًا مسرحيًا في منتهى الروعة، أبطاله شباب في مقتبل العمر اختاروا صفقة القرن 1 موضوعًا لها، وجسدوا الواقع العربي الممزق تجاه القضية الفلسطينية تجسيدًا دراميًا جذابًا بديكور بسط ولباس معبر، بدا العرض بعدد قليل جدًا من المدعوين، وما هي إلا لحظات حتى ملأت الساحة عن آخرها بالمارة والفضوليين ومن أعمار وأجناس مختلفة. نعم استطاع هؤلاء الهواة أن يستقطبوا في زمن وجيز جمهور ملأ الساحة عن آخرها متأثرًا ومتفاعلًا مع العرض، فقد خلق أبطال العرض طاقة جذب ساحرة في المكان، فعلا التصفيق وتثبتت الهواتف النقالة تصور الحدث، ولأن العرض كان يحمل مقاطع حزينة تبرز سياسة الحكام العرب وتجسد الواقع العربي تجاه القضية الفلسطينية وصفقة القرن، تحول المشهد إلى عرض درامي بامتياز رأيت الدموع تنزل على أوجه، والعيون متأثرة كل التأثر، كان عرضًا رائعًا. لم يكن عرض كهذا هذا سيستقطب كل هذا العدد من الجمهور لو تم التخطيط له داخل قاعة عرض كلاسيكية.

والمسرح الجزائري لم يكن مجرد هواية للترفيه عن النفس، ولا خشبة تصور واقع الحياة من زوايا مختلفة فحسب. المسرح في الجزائر مدرسة يشار لها بالبنان، وفن له وزنه في الحياة الاجتماعية وبين الناس، ومنذ مدة لم يعد هذا الفن يستهوي الجمهور التقليدي الشعبي، بل فقط النخبة الأكاديميين، والهواة، والنقاد، وذوي الاختصاص.

وفي تسعينات القرن الماضي قدمت خشبة المسرح عملاقين من عمالقة المسرح الجزائري قربانًا للصراع السياسي والأمني في العشرية السوداء «سنوات الجمر» هما عز الدين مجوبي، وعبد القادر علولة. فقد استباح الإرهاب دمهما فاغتالتهما أيادي الغدر بكل وحشية. عبد القادر علولة في العاشر من شهر مارس 1994، وعز الدين مجوبي في الثالث عشر من شهر فبراير (شباط) سنة 1995، رصاصتان وضعتا حدًا لمسيرة حافلة بالنجاحات قضاها في خدمة المسرح، وفي خدمة الشعب والثقافة، رُبط اسمهما باسم هذا الفن، وغدا لصيقًا به كالدال والمدلول. فهما من أسهم في تأسيس المدرسة المسرحية الجزائرية الحديثة وكانا أعمدة خشبتها. اختارتهما أيادي الغدر كونهما رمزًا من رموز المدينة، والثقافة الجزائرية، وشخصيتين ولدتا وسط الشعب المكافح الباحث عن السلام والحرية، وجعل منهما المسرح شخصيتين قوميتين.

أما مسرح الشارع في الجزائر فجذوره تمتد في الموروث الثقافي المحليّ إلى فنٍّ شعبي عريق يمكن اعتباره شكلًا من أشكال مسرح الشارع وهو فن «القوال»، وهو نفسه ما يعرف بفن الحكَواتي في بلدان المشرق العربي. تُحيلنا هذه المفردة إلى «القول»، أي إلى فنّ الحكي، أو فن الحكاية الذي كان سائدًا في الأسواق الشعبية والأماكن العامّة، وهو تقليد شعبي وظّفه الراحل عبد القادر علّولة في مسرحه، ويعد عرض «الحرّاز» أحد التجارب القليلة في إطار مسرح الشارع الذي لا يزال محتشمًا في الجزائر، بالرغم من عراقة هذا الشكل المسرحي في البلاد، والذي تُشير بعض المصادر إلى أن ممارسته تعود إلى فترة الاستعمار الفرنسي، حين عمد بعض المسرحيّين إلى تقديم عروضهم في الشوارع، بعد منعهم من تقديمها داخل المسارح. إلى أن تجارب مسرح الشارع بقت تجارب معدودة مقارنة بالعروض المسرحية في القاعات المغلقة والتي كما سبق الإشارة أنها محدودة المشاهدة. ومن ثم جاءت بوادر ميلاد مسرح الشارع بحلته الحديثة.

لماذا مسرح الشارع في الجزائر؟

إن التوجه لمسرح الشارع وإحياء هذا الموروث الثقافي المحلي في الجزائر جاء وليد الظروف التي مرت بها البلاد بأزماتها المختلفة منذ الفترة الاستعمارية إلى يومنا هذا، وهو وليد الواقع الثقافي الجزائري الذي لا يزال يتشبث بحوكمة الإدارة الثقافية، وتضييق الخناق على كل ما هو فن، وما هو تجديد، تلك الظروف التي يمكن حصرها في النقاط التالية:

– تضييق الخناق على المسرح بسبب البيروقراطية المفروضة من طرف وزارة الثقافة والمصالح المعنية.

– عزوف المشاهد عن العروض المسرحية في قاعات المغلقة نظرًا لتغير طبيعة المشاهد في حد ذاته.

– احتكار المسارح والقاعات المسرحية في يد جهات معينة دون سواه.

– تضييق الخناق على الشباب الهواة والجمعيات الحرة لتقديم عروضهم الجماهيرية.

– شح برنامج المهرجانات المسرحية وعدم برمجتها في أوقات تتناسب مع الفئة الشعبية.

– غياب أي رؤية للدعاية والترويج والتحفيز للعروض والأعمال المسرحية الجديدة.

– حجب التمويل الجدي والفعال لمسرح الشباب الهواة.

ألقوا بالمسرح للشارع يحتضنه الهواة:

يتخرج سنويًا المئات من الشباب الموهوب من معاهد التمثيل الجزائرية. وتتشكل في كل ولاية عدد من الجمعيات الشُبانية من الهواة الذين آمنوا بالمسرح فنًا ورسالة وبالشارع خشبة لتأدية هذه الرسالة النبيلة التي من شأنها أن تحدث الفارق في الثقافة والتربية وفي السلوك. رسالة من شأنها أن تعالج العديد من الظواهر والقضايا الوطنية والدولية، ذلك أن بعض هؤلاء الهواة من استطاع وبأبسط الإمكانات – وفي ظل تضييق الخناق الإداري- أن يصل بعمله إلى الضفة الأخرى من المتوسط بالمشاركة في مهرجانات عالمية.

مسرح الشارع في الجزائر كسر النظرة التقليدية له ولم يعد مجرد عرض بهلواني يُمتع الأطفال والمارة، بل رسالة تحمل معاني إنسانية، دينية، اجتماعية، سياسية واقتصادية من شأنها أن تنتج لنا شارعًا جزائريًا أكثر وعيًا وأعمق ثقافة وتحضرًا. وبات من الضروري جدًا الإيمان بقدرة الشباب الهواة من هذا الجيل على حمل هذه الرسالة المسرحية بما تحمله من معان سامية للإنسانية والحرية والعدالة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد