أنا: الله ما أسهل انتصار الشعوب.. ما أسهل انتصار الشعوب.
هو: نعم؟ ماذا تقول؟ كيف هذا؟
أنا: هذا ما حدثتنا به كل ثورات الربيع العربي في موجتها الأولى أواخر 2010، وفي موجتها الثانية أواخر 2018.
هو (يقطِّب حاجبيه في تعجب).
أنا: سأشرح المسألة بوضوح وبالأرقام:

بدأت موجة الربيع العربي الأولى من تونس في نهاية عام 2010، وتحديدًا في 18 ديسمبر (كانون الأول) عام 2010، وأُعلن عن هروب طاغية تونس زين العابدين بن علي في 14 يناير (كانون الثاني) عام 2011. أي أن الحراك الشعبي التونسي أسقط الطاغية في 28 يومًا فقط. علمًا بأن بن علي استمر في الحكم أكثر من 23 عامًا، من 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1987 إلى 14 يناير عام 2011. 28 يومًا من ثورة الشعب التونسي في الشارع أسقطت حاكمًا حكم أكثر من 23 عامًا.

تبع حراكَ تونسَ حراكٌ شعبيٌّ في مصر؛ بدأ في 25 يناير 2011 وأسقط طاغية مصر محمد حسني مبارك في 11 فبراير 2011. أي أن الحراك الشعبي في مصر أسقط الطاغية في 18 يومًا. علمًا بأن مبارك استمر في الحكم حوالي 30 عامًا، من 14 أكتوبر (تشرين الأول) 1981م إلى 11 فبراير (شباط) 2011. 18 يومًا من ثورة الشعب المصري في الشارع أسقطت حاكمًا حكم 30 عامًا.

لحق الشعب اليمني بالركب وقام بثورته في 27 يناير 2011، وأُعلن عن تنازل طاغية اليمن علي عبد الله صالح عن الحكم في 23 نوفمبر 2011 وفق المبادرة الخليجية التي رعتها المملكة العربية السعودية آنذاك. أي أن الحراك الشعبي في اليمن أسقط الطاغية في 10 أشهر. علمًا بأن صالح استمر في الحكم أكثر من 33 عامًا، من 17 يوليو (تموز) 1978 إلى 23 نوفمبر 2011. 10 أشهر من ثورة الشعب اليمني في الشارع أسقطت حاكمًا حكم 33 عامًا.

وجاء الدور على الشعب الليبي الذي قام بثورته في 15 فبراير 2011م وأُعلن عن مقتل طاغية ليبيا معمر القذافي في 20 أكتوبر 2011. أي أن الحراك الشعبي في اليمن أسقط الطاغية في ثمانية أشهر. علمًا بأن القذافي استمر في الحكم حوالي 42 عامًا، من الأول من سبتمبر (أيلول) 1969 إلى 20 فبراير 2011م). ثمانية أشهر من ثورة الشعب الليبي في الشارع أسقطت حاكمًا حكم 42 عامًا.

نأتي على الموجة الثانية من الربيع العربي، والتي بدأت أواخر 2018. بدأ الشعب السوداني ثورته في 19 ديسمبر 2018، وأُعلن عن تنازل طاغية السودان عمر البشير عن الحكم في 11 أبريل 2019. أي أن الحراك الشعبي في السودان أسقط الطاغية في أقل من أربعة أشهر. علمًا بأن البشير استمر في الحكم حوالي 30 عامًا، من 30 يونيو (حزيران) 1989 إلى 11 أبريل 2019. أربعة أشهر من ثورة الشعب السوداني في الشارع أسقطت حاكمًا حكم 30 عامًا.

أما الشعب الجزائري فقد بدأ ثورته في 22 فبراير 2019، وأعلن طاغية الجزائر عبد العزيز بو تفليقة عن تنازله عن الحكم في 2 أبريل 2019م. أي أن الحراك الشعبي في الجزائر أسقط الطاغية في شهر وتسعة أيام. علمًا بأن بوتفليقة استمر في الحكم حوالي 20 عامًا، من 27 أبريل 1999م إلى 2 أبريل 2019. شهر وتسعة أيام من ثورة الشعب الجزائري في الشارع أسقطت حاكمًا حكم 20 عامًا.

إذًا بين 18 يومًا و10 أشهر سقط طواغيت أقلُّهم حكم 20 عامًا، وعملوا جميعًا سنواتٍ طوالًا على تثبيت دعائم حكمهم بالظلم والفساد والتآمر والخيانة والتخلف والقمع والإفقار وتكميم الأفواه وتغييب العقول، واستخدموا كافة مقدرات البلاد لمصالحهم الشخصية ولمصالح أعداء شعوبهم الداخليين والخارجيين غير عابئين بنماء أو بتنمية أو بمعرفة أو بثقافة أو بحضارة يقدمونها لهذا الشعب.

كيف تم ذلك؟ بعدة أسباب أهمها:

  • الاستمرارية: فما إن بدأ الحراك الشعبي حتى استمر وازداد تعدادًا، ولم يتوقف إلا بسقوط النظام.
  • الشمولية: إذ غطى جميع مدن البلاد الكبرى، ومعظم محافظاتها وقراها، ولم يكتفِ بالعاصمة أو ببعض المدن.
  • التعاون: فكان الجميع يدًا واحدة متعاونين متآلفين متعاضدين يحملون هدفًا واحدًا يكمن في إسقاط الظلم بإسقاط النظام، وتحقيق مبادئ الحرية والعدالة والكرامة الاجتماعية لكافة أفراد الشعب.
  • الراية الواحدة: حيث لا مكان سوى لراية تحمل اسم البلاد؛ لا لشعارات جزئية حزبية أو عرقية أو دينية أو أي شكل أو مسمى، هي راية واحدة تحمل همَّ الشعب وتعلنها صراحة عبر ذلك الهتاف الأثير: «الشعب يريد إسقاط النظام» الشعب بكلِّ مكوناته واتجاهاته، الشعب ولا أحدَ آخر ولا مسمى آخر.

بهذه الأسباب تحقق نصر الشعوب بإسقاط ظلمتها في عدة أيام.

وبما أننا نتحدث وما زالت هناك ثورتان قائمتان تحققان نجاحات في بلدين عربيين عزيزين على قلوبنا ككافة البلاد العربية؛ وجب علينا أن نتحدث عن بعض دروس استفدناها من ثورات الموجة الاولى من الربيع العربي، إنها دروس فهمناها وأدركناها ووعيناها «في سبع سنين»:

الدرس الأول: سقوط رأس النظام لا يعني سقوط النظام؛ فقد علَّمتنا التجارب المريرة لثورات 2011 أن سقوط رأس النظام لا يعني سقوط النظام، إذ هو أعمق أولًا من أن يكون رأسًا فقط، وأكثر قوة وعتادًا وتماسكًا من أن يسقط بسقوط رأسه، وأكثر كرهًا للشعوب من أن يتركها تسلب منه ما اختلسه واستلبه لسنوات طويلة من مقدرات البلاد وخيراتها، وأكثر قذارة وخبثًا ومكرًا من أن يستسلم بسهولة.

الدرس الثاني: البقاء على قلب واحد وعدم الجري وراء مصالح شخصية أو حزبية؛ فلا يخدعننا النصر الظاهر بسقوط رأس النظام، إذ ستبقى هناك أيدٍ للنظام تعمل في الخفاء تحت مسميات عدة شخصية أو حزبية، وبإغراءات متعددة بالمناصب والأموال، ستعمل أيدي النظام على تفتيت المتعاضدين، وتفريق المتحدين، وتمزيق القلب الواحد إلى أشلاء؛ حتى تعود لتركب شعوبها من جديد، لا فرق حينها بمسمى النظام ذاته أو بمسمى جديد.

الدرس الثالث: عدم اللهاث وراء الكراسي والمناصب، وتغليب الشعب على السلطة؛ حيث من لهث وراء كرسي أو منصب لن يتمكن أبدًا من أن يحافظ على نقاء الثورة، أو أن يستعيد روحها، ولن يقدر أن يفكر بعد ذلك أبدًا في شعب أو أمة، لقد تلوث مع الملوَثين، وفسد مع الفاسدين، وغدا جلُّ، بل كلُّ، تفكيره في مصلحته ومنصبه وكرسيه.

الدرس الرابع: عدم القبول بأنصاف الحلول؛ فآفة نجاح الشعوب عدم الوضوح، وعدم التمييز بين الحق والباطل، وألا تكون الصورة لونان: أبيض وأسود؛ أما اللون الرمادي فلا مكان له في عيون الشعب الثائر، فالثورات حلولها بينة قاطعة شاملة، لا تُصالِح من أفسد، ولا تُسامِح من سفك دمًا، ولا تُهادِن من أضلَّ، ولا تعفو عمن أضرَّ بالبلاد والعباد.

ما الحلُّ إذًا؟

الحل يكمن في بقاء الشعوب في الشوارع، في كافة المحافظات والمدن والقرى؛ حتى يتم تكوين كافة المؤسسات والكيانات التي تقود البلاد، سياسة أو دستورية أو اقتصادية أو اجتماعية أو إعلامية… إلخ.

بقاء الشعوب في الشوارع حتى يتم تطهير الدولة من كافة عناصر الفساد ورموز النظام ومركَّبات الدولة العميقة أفرادًا كانت أو كيانات أو مكونات.

الحل هو البقاء في الشوارع، وحتى إن خان البشر بعد نجاح الثورات فلن ينجحوا في الانقلاب على هذه الثورات ما دام الشعب في الشوارع، والشوارع لا تخون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد