مجرد القول بأن الرجال ضحية لعمليات التنشئة الاجتماعية يثير هذا الأمر السخرية والضحك عند البعض، كيف وأن تكون رجلًا هو ميزة لا تستدعي التفكير بها كثيرًا. وكيف يكون الرجال ضحايا وهم أصحاب القرار والقادة والمشرعون للقوانين والمنفذون لها؟ وهم القائمون على النساء والأطفال؟ الرجال الحقيقيون لا يتحدثون عن مشاعرهم ولا يقضون وقتًا كبيرًا في التفكير فيما يعنيه أن تكون رجلًا، وإن تحدثوا فإنهم يكونون حذرين في التحدث عن أمور يرون أنها أنثوية، أو الخوف من أن ينظر إليهم بطريقة مريبة؛ لأنك عندما تكون رجلًا يستدعي الكثير من الخشونة والقسوة وقلة التعبير.

يشدني كثيرًا معرفة فيما يفكر فيه الرجال؟ وكيف يشعرون عندما يُخبرون علاقة ما؟ أو مشكلة ما؟ فعند خوفنا نلجأ للرجال للحماية، وعندما نريد شيئًا صعبًا وشاقًّا وبدنيًّا نلجأ للرجال، ولكي تكون رجلًا ينبغي أن تكون قادرًا على قتل الحيوانات منذ نعومة أظافرك، لا ينفع ومن غير الرجولي ألا تكون قادرًا على القيام بمهام ذبح الكائنات الأليفة الداجنة، كنت أنظر إليهم كثيرًا لكل ذكر أجبر على القيام بهذه المهمة وأسأل نفسي لماذا نحملهم فوق طاقتهم؟

لماذا يجب أن يمر الرجال الأطفال بكل تلك الأمور لكي يصبح رجلًا؟ تلك الأمور الصعبة عليهم نفسيًّا؟ وعندما يمرون بخبرات مؤلمة وحزن وفقد وأذى لا ينبغي أن يبكي الرجال لماذا؟ لأنه عيب أن يبكي الرجال، النساء فقط من تبكي ويحق لها ذلك لأنها ضعيفة، والبكاء صفة من صفات الضعفاء. وتساءلت لماذا خلق الله لكل منا غدة دمعية إن لم يرغب أن يبكي الرجال؟ هناك أشياء غير مقنعة في التنشئة الاجتماعية يقوم بها المجتمع وأولياء الأمور مع الرجال ليكونوا قساة. ثم عندما يكبروا نريد منهم أن يُعبروا ويقولوا كلامًا جميلًا ويكرروا عبارات نرغب نحن بها.

مما يثير الكثير من الأسئلة هي قلة قول بعض  الرجال والتعبير عن مشاعرهم في العلاقات، هل هم لا يعرفون؟ أم لا يريدون؟ أم أن لديهم صعوبة في ذلك؟ وهم من كتب كل تلك الأغاني الجميلة التي علمتنا العاطفة والحب؟ وهم من لحن تلك الكلمات الجميلة؟ وكيف وهم من كتب كل تلك الروايات والقصص الرومانسية التي علمتنا كيف نحب ونشعر ونحس في الكثير من فترات حياتنا؟ عند تتبعي للكثير من الدراسات التي تناولت الرجولة ومشاكلهم وكيف يواجهونها، كانت جميع تلك الدراسات غربية رغم الحرية التي يتمتع بها رجالهم هناك رغم ذلك كانوا من الأوائل الذين اهتموا بكيف يشعر الرجل ويفكر.

مع ذلك من خبرتي في شيء من الأدب العربي، وجدت أن الأدباء العرب كانوا أول من طرح الصراعات التي يعاني منها الرجال وأكبر مثل على ذلك كان فيلم «شيء من الخوف» الذي أنتج عام 1969 عن قصة قصيرة للكاتب «ثروت أباظة»، كان لبطله محمود مرسي دور رائع عن ذلك الطفل المسالم الذي أجبر على أن يقوم بدور لا يحبه فيه من القسوة الكثير، هذه القصة وضحت معاناة الرجل الشرقي بشكل خاص أثناء تنشئته الاجتماعية لإكسابه دورًا ذكوريًّا مفرطًا.

وكان للأغنية التي غنتها شادية دور كبير في إظهار صراع الدور لدى بطل الفيلم محمود مرسي.

– أغنية يا عيني على الولد بصوت شادية.

اهتمت الدراسات الغربية بمعاناة الرجال وأهملت الدراسات العربية ذلك، خاصة بالرجولة ومعاناتهم رغم كم القسوة والحروب والمعاناة والتآمر على الرجل العربي، وخاصة الرجل العراقي. هناك الكثير من التحديات التي تواجه الرجل العراقي، وهناك كم من الأسئلة التي يجب أن يعرفها ويجب أن يجيب عنها:

– لماذا يوجد لدى  بعض الرجال مشاكل كثيرة مع النساء في كافة العلاقات سواء الحميمة أو في العمل؟

– لماذا يتواصل بعض الرجال بطريقة مختلفة عن النساء؟ ولماذا لا يعبرون عن مشاعرهم الكثيرة؟

– لماذا يعمل الرجال كثيرًا؟ ويموتون مبكرًا مقارنة بالنساء؟

– لماذا بعض الرجال عنيفون وعدوانيون؟

– لماذا يحارب بعض الرجال المرأة في البيت والعمل؟

– لماذا يتحرش بعض  الرجال ويغتصبون الأطفال والنساء؟ رغم وجود طرق مشروعة للجنس؟

– لماذا يدمن بعض الرجال؟

– لماذا يضرب بعض الرجال النساء؟ ويضايقون النساء؟

– لماذا مستوى بعض الرجال وتحصيلهم العلمي أقل من النساء رغم أنهم يحصلون على الأفضلية في التربية؟

– لماذا يقوم بعض الرجال  بإيذاء المرأة حتى تلك التي تحبه ويحبها؟ ويعاملها كصديقه الرجل؟

يتلقى الرجال رسائل عديدة، سواء كانت صريحة أو ضمنية من المجتمع حول كيفية التصرف كرجال. فهناك قول مأثور بأن كونك رجلًا يعني في كثير من الأحيان أن تكون قويًّا ومسيطرًا ولا تبكي أبدًا، وتعمل على الإيذاء الجسدي وتُعيل عائلتك ولا تتراجع عن القتال أبدًا.

في كثير من الأحيان ينتهي الأمر بالرجال الذين يعتمدون بشكل حصري على ذكائهم لمعالجة المشاكل إلى عزل أنفسهم وهم في أمس الحاجة للمساعدة. من حديث لي مع أحدهم قال: «أنا أشعر بالأشياء بعمق، ولكني لا أعرف كيف أضع مشاعري في كلمات، لقد أصبحت اجتماعيًّا لكوني رجلًا، وهذا يعني أن أكون قويًّا مستقلًّا ولست بحاجة إلى أي شخص آخر وأنا لست ضعيفًا، مما يعني أنني عندما أتعرض للنقد والرفض فيجب ألا أبقى في المكان ويجب أنا أغضب أو اأنسحب أو أخبر نفسي بأنني أستطيع التعامل مع الأمر وكانه ليس بتلك الأهمية. على الرغم من أنني أحمل مشاعر غنية كثيرة لا يمكنني التحدث عنها، ولا حتى مع نفسي».

وهذا هو مصطلح Alexithymia، وهو عدم القدرة على التعبير، وهو مشتق من اليونانية ويعني حرفيًّا «بدون كلمات للعواطف» أي عندما يواجه شخص ما صعوبة كبيرة في ترجمة تجربته العاطفية إلى كلمات؛ أي إنهم يجدون صعوبة كبيرة في تحديد وتوضيح الكلمات التي تحدث داخلهم، وكثير منهم يعتمدون بشكل كبير على المنطق والعقلانية لمعالجة مشاكلهم الشخصية. ووجدت الكثير من الدراسات أن الكثير من الرجال يشعرون بالاكتئاب، ويبحثون عن العلاج، ولكنهم يشعرون بعدم الراحة من الوصمة التي يحملها مثل هذا التشخيص؛ لأنه بعد كل شيء يُخبره الرجال فإن المجتمع يخبرهم بأن الرجال الحقيقيين لا يصابون بالاكتئاب، والرجال الحقيقيون لا يتحدثون عن مشاعرهم، هذا المشهد هو المصدر الرئيسي لشعور الرجال بالتعاسة.

تشير التنشئة الاجتماعية للدور الذكوري التقليدي قد يحول العديد من الرجال إلى معارضين لهويتهم الذكورية، مع العديد من المشاعر التي يشعرون بها وما يشعرون بأنه مسموح لهم بالتعبير عنه؛ أي إنهم سيشعرون بالخجل وسيبدو الأمر كما لو أنهم ليسوا رجالًا حقيقيين إذا عبروا عن مشاعر الضعف والاحتياج. وهذا يمكن أن يخلق صعوبة كبيرة في العلاقات. فالرجل الذي يساير المعايير الذكورية وعدم التعبير عن الانفعال، قد يكون معرضًا لخطر أكبر من مشاكل الصحة ومجموعة من العلات النفسية، بما في ذلك الكآبة والقلق. ومن ناحية أخرى الرجال ممن يعبرون بحرية عن عواطفهم قد يتعرضون لخفض قيمة أنفسهم من الآخرين؛ لأن الانفعال أو العواطف تُعرف نمطيًّا على أنها «ضرب أنثوي».

وجدت الكثير من الدراسات الغربية أن الرجال عبر رحلة حياتهم يمرون بكثير من الصراعات، التي تجعلهم يغيرون أو يعيدون تقييم الكثير من الأشياء في حياتهم، أو يدمجون مفاهيم قديمة عن الذكورة والأنوثة، وقد يعيدون تعريف مواضيع معينة مثلًا «القوة، السيطرة، النشاط الجنسي، الابوة». عند حدوث تلك الانفعالات قد يقوم الرجل وقد يدرك في منتصف عمره أن نجاحه على المستوى المهني لا يكفي لإرضائه، وقد يقوده ذلك إلى إعادة تعريف نجاحه في سياق جوانب حياتية موازية في الأهمية، من ضمنها العلاقات الأسرية والصداقة الحميمة.

قد يواجه الفرد خلال مراحل حياته تخمينات خاطئة وأوهامًا  عن دوره كرجل من خلال قراءاته أو حواره الشخصي، قد يولد هذا التعلم حوارًا داخليًّا موسعًا حين يدرك الشخص ويتعاطى مع دوره كرجل، وقد يُولد هذا الحوار «حربًا سيكولوجية» داخل الرجل حين يعاني بين الذات القديمة وهويته الرجولية الجديدة البارزة على السطح، ومن هذا كله قد ينتج تعديل أو صناعة رموز ذكرية صحية تسمو فوق الأنماط التقليدية.

ولكن كيف يكتسب الصبيان الهوية الذكورية وفقًا للتحليل النفسي؟

أولًا: على الصبي أن يقطع الروابط الانفعالية التي له مع واهبي الرعاية الأساسيين له، عادة مع الأم.

وثانيًا: يحتاج إلى أن يتعرف إلى نموذج دوري ذكوري – عادة ما يكون الأب. ويجب أن تسمح عملية تمييز الهوية مع الأب للصبي أن يكون له طريقة يتواصل بها مع العالم الخارجي، ترغبه تلك الطريقة بالابتعاد عن القرب السيكولوجي من الأم، وتوفر الدعم المطلوب لتجنب عودة الصبيان إلى العلاقة التكافلية مع الأم. لذا ترى«كلين 1975» العلاقة مع الأم كعملية توازن دقيق؛ فهي توفر نموذجًا للعلاقات اللاحقة مع النساء، ولذا فهي تحتاج إلى أن تكون دافئة وودية، بيد أنه من الصعب للرجل أن تكون له علاقات مع النساء إذا كان شديد القرب من والدته.

ويقول «هوروكس 1994» إنه في حقيقة الأمر يحاط الطفل الذكر بالأنوثة طوال طفولته المبكرة، وأنه من المهم بالنسبة له أن ينفصل، وأن يكتشف عالمًا من الرجال تكمن فيه جذور الهوية الذكرية. مع ذلك، تتمثل المفارقة الرئيسية في أن الرجل يتمنى الهروب من هذا المأوى النسوي المريح، غير أن لدية رغبة أيضًا في أن يصبح قريبًا من النساء. وأحد الأخطار الكامنة في هذا المؤثر هو كون الأم شديدة الأهمية، وعدم قيام الأب بمفعول مضاد تجاهها، مما يؤدي إلى عدم قدرته على فصل نفسه من الأم.

يعتبر المحللون النفسيون دور الأب بالنسبة للهوية الذكورية أمرًا حاسمًا؛ فالأبوة كمقدمة للرجولة، ومقدمة لدور كان سابقًا يكتنفه الغموض. وبالرغم من وجود حقوق ومراسيم تلقينية في بعض الثقافات، فإنها إجمالًا ليست قوية، خصوصًا في المجتمعات الغربية. ما يحصل فعلًا هو تكون قطيعة بين الابن ووالده، فالأب يتوجه إلى العمل كل يوم ولا يتبقى لدية فرصة ليرتبط بابنه.

إن أحد أهم وظائف الأب هي إرشاد ابنه إلى أنه من الممكن له أن يعيش مع الأم ويتشاجر معها، وأن يشعر بالخوف والذنب، ولكن مع ذلك يستمران في العيش معًا. ومن خلال علاقة الأب مع الأبن يمكن للصبي أن يتعلم حقيقة إمكانية عيشه بأسلوب متحضر من دون الاستعانة بالعنف وإشباع الرغبات البدائية.

يرى« بلازينا 2004» أنه لا يجب أن يكون هنالك مثل هكذا تركيز على استئصال الهوية الأخرى. وحيث تكون الهوية الأخرى أنثوية، يكون هنالك قبول أكبر للصفات الأنثوية في الرجال؛ لذا فيمكن لها أن تندمج مع الهوية الذكورية من دون المساومة على الذكورة. فمن خلال«الجندر» يحرم كل من الرجال والنساء من عالم كلي من الكينونة، ألا وهو عالم «الجندر» الآخر. وبعد عملية الانفصال، يمتلك كل من الرجال والنساء إحساس بفقدان الأشياء التي لن يتمكنوا من خبرتها. فللرجال رغبة في الحب، وخوف من النشاط الجنسي الخاص بهم، وخصوصًا الخوف من غضبهم. إن العديد من الرجال يتكلمون عن خوفهم من أن غضبهم سينكشف إلى العالم. ولإيقاف ذلك، عليهم أن يضعوه في قمقم، وأن يكبتوا الانفعال. وكنتيجة لذلك يقوم بالتلاعب بمن حوله من خلال غضبه. وهذا يمنع تشكيل رابط مباشر مع الأشخاص الآخرين؛ لأن علاقاته مبنية على التلاعب. ينتج من ذلك كتم المشاعر داخلًا وإنكارها.

بعد كل ما طرح، فإن الدراسات العربية التي تناولت الرجال ومشاكلهم نادرة في مجتمعاتنا العربية، إن لم تكن غير موجودة أصلًا، فمن الضروري ونحن نمر بكل هذه التحديات والصعوبات على المتخصصين من الرجال والكتاب والرواة طرح رؤيتهم عن كل ما يمرون ويشعرون به بشكل واقعي، بعيدًا عن السخرية والاستهزاء التي نراها من قبلهم في وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة التلفاز، وللرجل العراقي وحده حصة الأسد في المعاناة التي تعرض لها وما زال يتعرض لها، سياسيًّا واقتصاديًّا ونفسيًّا واجتماعيًّا، وكما يقول ديستويفسكي«يُخيل إلي أن الرجال العظماء لا بد أن يشعروا على هذه الأرض بحزن عظيم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد