لا شك أن الوضع الذي يعيشه العالم الآن بسبب الجائحة وبسبب نتائجها مقلق ومرهق للغاية، ونحن العراقيين نعيش وضعًا خاص بنا.

هناك جائحة أدت إلى توقف أغلب مجريات الحياة العادية وفي العراق هناك سلسلة من الأزمات المتتالية التي واجهها ويواجهها الفرد العراقي لوحده دون مراعاة من قبل حكوماته المتتالية صاحبة الخيبات المتعددة (منها أزمة الرواتب، عدم وجود تعينات لوجبات تخرج متتالية مر عليها 17 سنة، بلد ممتلكاته واستثماراته غير معروفة أين؟ ولمن؟ مليء بالمشكلات الاجتماعية، والنفسية، والاقتصادية الخطيرة، انقسام مجتمعي حاد حول الانتخابات، ومن له القدرة على المشاركة فيها، تمسك مراكز السلطة السابقة بموارد الدولة وعدم السماح بمشاركة كفاءات في إدارتها، الاقتتال بين الشعب والسلطة للمطالبة فقط بإصلاح حال الدولة، بطالة، عدم وجود استقرار مالي، انعدام الثقة في القيادات السابقة والحالية، ومن الممكن المستقبلية إن تكررت نفس الوجوه، عدم اليقين بشأن ما تؤول إليه الأحداث الحالية والمستقبلية، وما ستؤول إليه الانتخابات المقبلة، بالإضافة إلى كل ذلك يواجه أبناء الشعب العراقي سياسة قتل ممنهجة إن أبدى رأيه أو رفضه للسياسات التعسفية والعشوائية التي تتخذها السلطات الحالية، أو سكوته وصمته عنها، وهذا بدوره يؤدي إلى الاكتئاب، والقلق، والوحدة، وزيادة نسبة العنف والقتل عند فئات متعددة من الشعب العراقي).

افتتحت المدارس والكليات والدوائر بالتدريج إلى أن تم الوصول إلى نتيجة عودة الطلبة بيوم واحد لكل المراحل بتخبط كبير وانقسام في جدية التخطيط وجدواه من جهة ضغط كبير على بعض معلمي ومدرسي بعض المواد التي تراها الوزارة مهمة وهؤلاء عليهم الجهد الكبير في الدوام والتدريس وتم إهمال بقية المواد ومعلميها وعدم قيامهم بالتدريس؛ مما أدى هنا لإجهاد كبير على معلمي تلك المواد.

هذا من جهة التدريس أما فيما يخص الطلبة فنحن بلا شك في بلد يفتقر أغلب أو الكثير من طلابه إلى الهاتف أو الوسيلة التي سوف يتم فيها أخذ دروسه خاصة في المناطق النائية والفقيرة والمعدومة والنت في العراق ضعيف جدًا ومسروق، وعليه قضايا فساد كبيرة، والمناهج وطبعها أيضًا عليها قضايا فساد كبيرة، وأصحاب الرؤوس للقضايا التربوية والتعليمية هم من يقوم بشراء أو بيع تلك المناصب والعقود. مما يؤدي إلى اضطرابات كبيرة عند الطلبة وعدم يقين وجدوى من العملية التربوية التعليمية، من جهة أخرى الخوف الكبير لدى أهالي أولئك الطلبة من انتقال وتفشي الفيروس بين الطلاب.

إذًا نحن أمام عملية تعليمية مضطربة في مناهجها وعقودها وطلبتها وكادرها. سيضطر المعلمون والطلبة إلى التكيف مع المتغيرات المتغيرة بسرعة مع التعلم عبر الإنترنت ونحن الآن مقبلون على الموسم الشتوي؛ مما يوحي ويتنبأ بزيادة في الإصابة بهذا الفيروس. والجديد التخوف الكبير لكثير من الفئات من جدوى اللقاح وتبعاته وآثاره، وهل سيغير من صفاتنا وطبائعنا على المدى البعيد؟

إذًا نحن أمام ظروف تهدد إحساسنا بالهدوء والرفاهية والاستقرار وهذا يعني أن التهديد وعدم اليقين من كل شيء والوحدة سيندفعون إلى أدمغتنا.

تمتلك أدمغتنا نظام طوارئ لتنبيهنا بالتهديدات في البيئة. (اللوزة) هي تركيب على شكل لوزة في منتصف الدماغ تعمل كنظام إنذار في الدماغ. عندما يكتشف الدماغ تهديدًا فإنه يحرك سلسلة من هرمونات التوتر والنواقل العصبية، مثل الأدرنالين، والنورادرنالين، والكوريتزول تخلق استجابة (قتال، طيران، تجميد). تم تصميم هذه الاستجابة لضخ الدم إلى القلب والعضلات الكبيرة لمحاربة (المفترس أو الفرار منه). مع القيام بوظائف غير أساسية، مثل الهضم في وضع عدم الاتصال، هذا هو السبب في (أننا لن نشعر بالجوع إذا كنا نشعر بالتهديد على الحياة). تكمن مشكلة التهديدات المزمنة غير المتبلورة مثل هذا الوباء، ومثل وضعية الشعب العراقي السيئة في عدم وجود القتال أو الفرار منه. فمن ناحية الفيروس فهو غير مرئي ومن ناحية الوضعية في العراق فهي غير واضحة المعالم ودائمة التهديد، وكأن ليس لها نهاية أو بارقة أمل. إذًا ما هو العلاج للاثنين، وكيف تتم محاربة الوضعين؟ وكأننا أمام مقولة (البحر من ورائكم والعدو من أمامكم).

ما يحدث بعد ذلك هو أننا أصبحنا عالقين في حالة من الاستشارة الفسيولوجية القائمة على التهديد الدائم دون شفاء لا ينتهي التوترأبدًا بطريقة تسمح لنا بالاسترخاء. وعندما يكون جهازنا العصبي عالقًا في حالة مزمنة من تفاعل التهديد، تخرج الهرمونات والناقلات العصبية عن المزامنة، ولا تستجيب للإشارات لوقت عمل معين، أو تهديد معين. والنتيجة هي إجهاد سام، أو دائم يضعف مناعتنا، ويزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكري، والاكتئاب والعديد من النتائج السلبية الأخرى.

فيما يخص الريبة وعدم اليقين، فقد تم تصميم عقلنا للتنبؤ بما سيحدث بعد ذلك وأفضل طريقة للاستجابة للحفاظ على سلامتنا وزيادة وصولنا إلى الموارد. عدم اليقين والريبة يجعل عقلنا غير مرتاح للغاية. في ظل ظروف غير مؤكدة لا توجد إشارة تخبرنا أننا بخير وأمان حتى لو كان ذلك في الوقت الحالي فقط. إذا كان عقلنا لا يعرف ما هو قاب قوسين أو أدنى، فلن يتمكن من إبعادنا عن طريق الأذى. إنه يفترض الأسوأ دائمًا في تخصيص التهديدات وينتقل إلى الاستنتاجات.

إذا كنت تعرف ما هو قادم، يمكن لعقلك أن يعدك للتعامل معه. إذا كنت لا تعرف، ولكن هناك احتمالًا للضرر، فإن عقلك يصبح يقظًا ومفرطًا النشاط في محاولة تخمين النتيجة الأكثر احتمالية وتنفيذ إستراتيجية التأقلم. نظرًا لأن أفضل إستراتيجية ليست واضحة، فقد يؤدي ذلك إلى استمرار عقلك في تكرار المعلومات في محاولة للعثور على إجابة ويخلق هذا حالة من التوتر والقلق المزمن.

أحد أصعب الأمور بخصوص أزمة covid-19 الحالية هو أننا لا نستطيع الاعتماد على التفاعلات مع الآخرين لتهدئة أنظمتنا العصبية. في ظل الظروف العادية، تسمح لنا الخلايا العصبية في أدمغتنا بالتهدئة من خلال الابتسامات الدافئة، أو لغة الجسد، أو اللمسة اللطيفة للآخرين المقربين. حتى التحدث إلى صديق متعاطف يساعد في تهدئة أنظمتنا العصبية. الغريب أن الاشخاص رغم مرورهم بكل تلك الأزمات والوباء العصيب أصبحوا أشحاء في كل شيء حتى في مشاعر الود البسيطة المساندة.

عند عدم القدرة على التفاعل والتواصل مع البيئة قد يلجأ الفرد إلى البحث عن الانعزال، وقد يشعر بالوحدة إن لم تكن العزلة خياره، كما تم ملاحظته منذ فترة الوباء إلى الآن. كسر الفرد عزلته من خلال تكنولوجيا (zoom) تلك الغرف الصغيرة التي يتم فيها عقد اللقاءات والمناظرات، ولو عن بعد لكسر حاجز العزلة والرغبة في التواصل الاجتماعي مع الآخرين، ورغم أنها ليست تجربة غنية مريحة أننا نجتمع بهذه الطريقة فهناك الكثير الذي يتعين علينا مراقبته.

تؤكد الدراسات البحثية أن الوحدة تضر بصحتنا الجسدية والعقلية. أن الافتقار إلى التواصل الاجتماعي يزيد من المخاطر الصحية بقدر تدخين 15 سيجارة في اليوم، أو الإصابة باضطراب تعاطي الكحول، بناءً على الأدبيات البحثية أن الوحدة والعزلة الاجتماعية تضر بالصحة الجسدية والعقلية والضعف والسمنة.

_ ما الذي يمكننا فعله لمعالجة هذه الجوانب السامة من التوتر المرتبط بالحالات التي ذكرناها سابقًا؟ لا توجد رصاصات سحرية لكن الإستراتيجيات التالية قد تساعد في حماية صحتنا العقلية:

القبول

إن قبول (وجود الشيء) حتى وان كان سيئًا هنا وسيظل موجودًا لبعض الوقت يمكن أن يحمينا من الشعور بعدم الإفراط في اليقظة بشأن التقارير الإخبارية حول تلك الأمور. لا يعني القبول بأن نكون سلبيين، وإنما هو عملية نشطة لتعلم العيش بسلام أكثر مع الأشياء التي لا يمكننا تغييرها.

اكتساب المنظور

يمكن أن يساعدك الرجوع خطوة إلى الوراء للنظر إلى الصورة الكبيرة لحياتك من منعك من المبالغة في تقدير الخطر الشخصي. إذا كنت تتخذ الاحتياطات المعقولة لا تحتاج موازنة التركيز على التهديد وتقليل الخسائر المحتملة مع التركيز على الجوانب الإيجابية في الحياة.

فكر فيما لم ينتهكه الوضع السياسي والوباء، ربما لم تزل لديك عائلة محبة، أو تفتخر بعملك، أو روتينك الصحي، أو هوايات ذات معنى، أو أن هناك أحبة حقيقيين من حولك. قد تظل متصلًا بمجتمعك الروحي أو العملي حتى لو لم يكن ذلك شخصيًا. مع ذلك إذا فقدت أحد أفراد أسرتك، أو فقدان عملك، أو تشعر بنقص الكثير من الحاجات مقارنة مع الدول الأخرى، أو كنت مريضًا بشكل خطير، فمن المحتمل أن تهيمن الأزمة الفورية على تفكيرك، وهذا أمر واضح.

الحفاظ على الأمل

من المهم أن يكون لديك توقعات واقعية ولكن أيضًا للحفاظ على أملك في مستقبل أفضل. يتمتع البشر بقدرة مؤهلة على التكيف مع الظروف الجديدة والصعبة، حتى تتكيف وتبدأ في الشعور بعدم الارتياح بمرور الوقت. تبدو المرة العشرين لأي حدث أسهل بكثير من المرة الاولى. حتى لو كان السياسيون الحاليون مضللين فلنتوقع ولادة قيادات جديدة تأخذ بالبلد إلى بر الأمان، وربما تكون تلك القيادات أكثر استباقية للإنجازات، وأقل انقسامًا، وطائفية، ونفعية، وأكثر مصالحة مجتمعية.

إيجاد المرونة الخاصة بك

المرونة تعني القدرة على تحمل الأوقات الصعبة والتعافي أن رؤية نفسك كشخص مرن يمكنه اجتياز هذه الفترة الصعبة يمكن أن يكون تغيرًا قيمًا في طريقة التفكير.

فكر في الأوقات الصعبة والمحن التي مررت بها سابقًا وما الذي ساعدك على تجاوزها. تذكر نقاط قوتك الداخلية مثل الشجاعة، أو الحكمة، أو امتلاك روح المبادرة. فكر في الأشخاص الموجودين في حياتك أو الموارد الموجودة من حولك التي يمكنك اللجوء لها للحصول على المساعدة منها. فكر في طرق ملموسة يمكنك المساهمة بها لمساعدة من يحيطون بك أولًا والمجتمع ثانيًا.

تظهر الكثير من الأبحاث أن مساعدة الاخرين تزيد من شعورنا بالقيمة الذاتية.. وكما يقول الرومي: «واصل المسير» حتى إن لم تبد لهذه الطريق نهاية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد