إن قول الحق، وإظهاره للناس، وتبنيه والصدع به، والجهر به على الملأ، ليس أمرًا سهلًا على النفس البشرية، بل هو صعب جدًا، ومر كمرارة العلقم، لا يقدر عليه إلا ثلة قليلة من المؤمنين، ومن أولي العزم والبأس الشديد، وذوي المِرة والقوة.

لأن قول الحق، وخاصة في أزمان علو الباطل وانتفاشه، وصخبه، وهيمنته، وسيطرته على جميع مفاصل الحياة، له تكاليف، وتبعات، وضرائب باهظة، يجب أن يدفعها كل من ينبري لقول الحق، إذ سيصطدم مع أهل الباطل، وأعوانه، وشياطينه الكثر، الذين يلتفون حوله ويدعمونه ويؤازرونه ويساندونه، فالذي يقول الحق ولا يخشى في الله لومة لائم قد يدفع حياته ثمنًا لقوله الحق، أو يُسجن ويُعذب، ويُقتل تحت التعذيب.

ولذلك اعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم، من يفعل ذلك، هو سيد الشهداء، فعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ». (صحيح الإسناد).

ولكن أكثر الناس يؤثرون السلامة والعافية، وينكصون عن الجهر بالحق، ويخافون سوء العاقبة في الدنيا، ولا يأبهون ولا يهتمون لسوء العاقبة في الآخرة، فتراهم يخنعون، ويرضخون للباطل، بل يتمادى أغلبهم أو كلهم في الهجوم والانتقاد اللاذع لمن يجهر بالحق، وينعتونه بالمتزمت والمتشدد والمتطرف والإرهابي.

لأنهم يريدون دينًا سهلا يسيرًا مرنًا يتكيف، ويتشكل كالبلاستيك وفق أهوائهم وشهواتهم، فيبحثون عن الفتاوى التي ترخص لهم القعود والخنوع والذل والهوان للطواغيت، فيصفون هذا الشكل من الدين بالمعتدل والوسطي، ويزعمون زورًا وبهتانًا، أنه هذا هو الدين الذي أنزله الله تعالى.

يريدون تمييع الدين وتهجينه وتدجينه وتجريده من قوته، وحصره في المسجد فقط، وتفصيله حسب الهوى ليكون سهل التطبيق بدون تكاليف، ولا التزامات تثقل كاهلهم، ولا مشقات، ولا يسبب لهم أذى من الطواغيت، ولا يُغضبهم عليهم.

فيعيبون على القائمين على حدود الله، والجاهرين بالحق، ويصفونهم بأنهم غلاظ الأكباد قساة القلوب يُنفرون الناس من الدين، وأنهم يُلقون بأنفسهم في التهلكة. والحقيقة التي يجهلها هؤلاء القوم أنهم لا يفرقون بين الشدة التي تعني: القوة والحزم والعزم والثبات على طريق الحق والمضي في المجاهرة به دون خوف ولا وجل، وبين الغلظة في مخاطبة الناس، والفظاظة في استخدام الكلمات المهينة المسيئة للناس والمتضمنة همزًا ولمزًا وسخريةً من الناس.

فالبون شاسع، بين عرض الحق بكلمات قوية – وهي بطبيعة الحال شديدة على النفوس الضعيفة، وثقيلة على القلوب المريضة – وبين مخاطبة الناس بكلمات جارحة أو مفردات بذيئة قميئة مهينة.

فالقرآن بطبيعته ثقيل على النفوس، كما أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، {إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلًا}. والغلظة والجلافة والقساوة في التعامل مع الناس مرفوض رفضًا قاطعًا، لذلك امتن الله على رسوله صلى الله عليه وسلم حينما قال له: {فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ}. (آل عمران 159).

وكذلك حينما أمر الله تعالى موسى عليه السلام: {ٱذۡهَبَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ﴿٤٣﴾ فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ}. (طه).

واللين هنا، لا تعني الضعف والتذلل والمسكنة لفرعون، ولا التنازل عن القيم والمبادئ العليا للدين، أو التلاقي في منتصف الطريق بين الحق والباطل، وبين الكفر والإيمان، ولا تعني المرونة في تشكيل الدين لينسجم ويتوافق مع رغبات الطاغوت.

إنه مجرد تلطف وتودد وتؤدة في عرض الدين الجديد، بدون أي تغيير في مقوماته ولا تمييع أو تمطيط لشكله وقوامه، أو مجاملة أو مداهنة الطاغوت على حسابه، بل عرض كامل، دون أي نقص، ولا إخفاء أي حقيقة من حقائقه، مع قوة وثقة في العرض، وثبات على الهدف الرئيسي للدين .. وهو الدعوة إلى توحيد الله، وعبادته دون سواه.

وهذه مجرد الخطوة الأولى في عرض الدين الجديد، تلحقها خطوات تكون أشد صرامة وحزمًا، إذا أصر الطاغوت على رفض الدين أو لجأ إلى محاربته، فحينئذ سيتبدل الخطاب فورًا، من اللين واللطافة، إلى الشدة والعنف، مع التهديد بالهلاك والتدمير للطاغوت المتجبر المتكبر المغتر بخيلائه وبطشه وقوته.

وهكذا حينما وصف فرعون موسى عليه السلام، كما جاء في قوله تعالى: {فَقَالَ لَهُۥ فِرۡعَوۡنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسۡحُورٗا}. (الإسراء 101).

فجاءه الرد الصاعق، المجلجل، العنيف دون وجل، ولا خوف، ولا تلعثم، ولا لين كما كان في بداية الدعوة، لأنه وصل هنا إلى مرحلة المفاصلة الحاسمة، {وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورٗا}. تهديد ووعيد بالهلاك والبوار لفرعون المغتر بسلطانه.

فمخاطبة الناس بالحق ودعوتهم إليه لا تكون دائمًا في مستوى واحد أو درجة واحدة، وإنما تتغير وتتبدل حسب المواقف، والظروف، فقد يتطلب الأمر في وقت ما اللين، واللطف دون ضعف، وفي وقت آخر يتطلب الشدة والعنف والقوة، دون فظاظة ولا غلظة. والمعيار في هذا الأمر، الحكمة.

{ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ}. (النحل 125).

ويقول سيد قطب رحمه الله تعليقًا على هذه الآية في كتابه «ظلال القرآن»: «والدعوة بالحكمة، والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر الذي يبينه لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها، والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها . فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه.

وبالموعظة الحسنة التي تدخل إلى القلوب برفق، وتتعمق المشاعر بلطف، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب، ولا يفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية . فإن الرفق في الموعظة كثيرًا ما يهدي القلوب الشاردة، ويؤلف القلوب النافرة، ويأتي بخير من الزجر والتأنيب والتوبيخ».

وبصورة عامة، الحكمة تعني وضع الشيء في موضعه الذي يستحقه، سواء كان لينًا ورفقًا، أو قوة وشدة. بدليل قوله تعالى في الآية التي تليها، والتي تطلب من المسلمين إذا ما تم الاعتداء عليهم أن يردوا الاعتداء بمثله، وليس السكوت والخنوع والرضوخ للمعتدين.

{وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِه} (النحل 126). {فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ} (البقرة 194).

فالمسلم عزيز دائمًا، ولا يرضى الدنية في دينه، ولا يقبل الضيم، ولا أن يُعتدى عليه، ولا أن تنتهك حرماته، بل يرد مباشرة على الاعتداء بمثله، دون إفراط، ولا تفريط، ولا ظلم، ولا تعسف، ولا بغي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد