تصف النسبية العامة، أشهر نظريات ألبيرت أينشتاين، كيفية عمل الجاذبية أحسن وصف بالنسبة للأجسام الكبيرة، بينما يصعب عليها ذلك حينما يتعلق الأمر بالأجسام الصغيرة التي تتطرق ميكانيكا الكم إلى دراسة خصائصها – عدا قوة الجاذبية – عبر النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات، وبهذا تأتي نظرية الأوتار أو كما يسميها البعض «نظرية كل شيء»، بغية معالجة هذا اللغز النظري بدراسة كيفية عمل الجاذبية بالنسبة للأجسام الصغيرة مثل الإلكترونات، الغليونات، والفوتونات.

من بين القوى الأربع في الطبيعة، تفتقر الجاذبية فقط إلى الوصف الكافي من منظور الجزيئات الصغيرة. يمكن للمنظرين أن يتنبأوا بما يجب أن يبدو عليه جسيم الجاذبية، لكن عندما يحاولون حساب ما يحدث فور أن يسحق «جرافيتان» كلاهما بعضًا، يحصلون على كمية لا حصر لها من الطاقة معبأة في مساحة صغيرة، وهي علامة أكيدة على أن الرياضيات المستعملة تفتقد لشيء ما.

وتقول ماريكا تايلور – عالمة فيزياء نظرية بجامعة ساوثهامبتون في إنجلترا – في هذا الصدد: «كائن أحادي البعد هذا هو الشيء الذي يروض حقًّا اللانهاية التي تظهر في الحسابات».

تقلب نظرية الأوتار الصفحة على الوصف المعياري للكون عن طريق استبدال كل جسيمات المادة والقوة (الفيرميونات والبوزونات) بعنصر واحد فقط: أوتار صغيرة تهتز، تنحرف وتدور بطرق معقدة تبدو من منظورنا وكأنها جسيمات. يلعب وتر منها دور الفوتون – يعكس خصائصه نفسها – وآخر يلعب دور الكوارك وهكذا.. بالإضافة إلى فهم كيفية عمل الجاذبية، أثبتت النظرية قدرتها على تفسير الثوابت الأساسية المزعومة مثل كتلة الإلكترون.

لكن تبين أن البساطة الأولية جاءت على حساب التعقيد غير المتوقع؛ فسلسلة الرياضيات لم تنجح في الأبعاد الأربعة المألوفة (ثلاثة من الفضاء وواحد من الوقت). كانت بحاجة إلى ستة أبعاد إضافية (لما مجموعه 10) مرئية فقط للأوتار الصغيرة، وهنا يأتي تشبيه الوتر الطاقي بخط 1D للطيور التي تحلق في سماء منطقة بعيدة.

بعد نظرية الأوتار التي رغم جمالها الرياضي شابها نقص في بعض الأبعاد الإضافية، أتت نظرية «M»، النسخة المهيمنة للنظرية الأولى، إذ ترى أن الكون يتكون من شرائح صغيرة – من غشاء ثنائي الأبعاد – تتلوى في الفضاء ذي البعد الحادي عشر.

قد تبدو هذه الأفكار خيالية وكأننا نتحدث عن أحد عوالم السلسلة الشهيرة «ريك ومورتي»، لكن عمومًا يقبلها على نطاق واسع العديد من علماء الفيزياء النظرية، ولكن المشكلة هي أنه لا يمكن اختبارها، كيف يمكنك فحص البعد الحادي عشر؟ لقد عانى هذا الحقل من رد فعل عنيف في السنوات الأخيرة؛ إذ يقول بعض العلماء إن النظرية ليست نظرية إذا استحالت دراسة فرضياتها في المختبر. و في خضم هذا، يرد د.مايك دوف – من قسم الفيزياء النظرية في جامعة إمبريال كوليدج في لندن – بـ«الآن ممكن».

يقول دوف إنه كان في مؤتمر في تسمانيا عندما قدم أحد الزملاء بعض الصيغ الرياضية التي تصف تشابك «البتات» الكمومية المتعددة، فبدت له المعادلات مألوفة. عند عودته إلى المنزل، فحص دوف دفاتر ملاحظاته منذ سنوات قليلة، وأدرك أن الصيغ كانت هي نفسها التي طورها لاستخدام نظرية الأوتار لوصف الثقوب السوداء. الأمر الذي أثار دهشته، ثم يقول بعدها: لا يوجد سبب واضح يمكن من خلاله استخدام نظرية الأوتار المعقدة في الرياضيات المعقدة من أجل التنبؤ بسلوك أنظمة الكم المتشابكة.

وقال: «هذا قد يخبرنا بشيء عميق عن العالم الذي نعيش فيه، أو قد لا يكون أكثر من مجرد صدفة غريبة».

في الوقت الحالي، يأتي أفضل أمل في اختبار نظرية الأوتار من مصادم الهدرونات الكبير في «CERN»، المصمم للعثور على أصغر الجزيئات الأولية التي تشكل المادة. من الممكن نظريًّا أن تكشف تجارب «LHC» عن جسيمات فائقة التناظر – أحد عناصر نظرية الأوتار – أو عن تبدد الطاقة في بُعد آخر، مما قد يساعد على إثبات نظرية M. لكن من ناحية أخرى اختبار نظرية الأوتار بالاعتماد على الرياضيات الغامضة –التي تتوقع هذه النتائج– سيكون أسهل بكثير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد