لا بد من استجداء بعض الحقائق للوقوف على جواب عن هذه الإشكالية.

لنبدأ أولا بتحديد ما يطلبه الدين من المسلم المقيم في الغرب.

يؤكد الدين على مشروعية العيش المشترك مع المختلف معهم، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) في مكة المكرمة، كلّما وفد عليه أحد أبناء القبائل العربية وأسلم على يده، يأمره بالعودة إلى قومه المشركين ليعيش معهم، هكذا فعل مع ضَماد الأزْدي، وعمرو بن عبْسة السُّلمي، والطفيل بن عمرو الدوسي، وأبو ذر الغفاري، كما ذكرت جميع كتب السيرة، فالرسول صلى الله عليه وسلّم جسد فكرة التعايش بين تلامذته وبين من يختلف معهم فكرا وممارسة.

وكذلك نلاحظ أن من غادر من الصحابة إلى الحبشة فرارا من الاضطهاد الذي كانوا يتعرّضون له في مكة المكرّمة، وقد وجدوا في الحبشة النصرانية نظاما سياسيا يحميهم ويحفظ حقوقهم، لكن رغم ذلك عندما أقيمت دولة الإسلام في المدينة المنورة، لم يعودوا إليها، بل ولم يطالبهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) بالعودة، مع أنّهم كانوا يعيشون في الحبشة أقليّة في المجتمع، وتحت سلطان غير إسلامي، لكنهم لم يعودوا إلى المدينة إلاّ في السنة السابعة للهجرة. ولو لم يكن العيش المشترك مع غير المسلمين مشروعا لما بقوا مهاجرين سبع سنوات من غير ضرورة ولا حاجة؛ بل ربما كان للمسلم الذي يعيش في وطن واحد مع غير المسلمين أجر أكبر.

قال عمر بن الخطاب لأسماء بنت عميس -وهي إحدى مهاجرات الحبشة- : (سبقناكم بالهجرة فنحن أحقّ برسول الله منكم)، فغضبت وقالت: كلاّ والله، ثمّ سألت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم ) عن ذلك فقال: (ليس بأحق بي منكم، له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان).

وهكذا عد النبي صلى الله عليه وآله وسلم المهاجرين إلى الحبشة والمقيمين فيها حتى بعد زوال أسباب الهجرة، أعظم أجرا من الذين هاجروا ثمّ عادوا إلى وطن إسلامي.

اليوم إن الوضع في سوريا وفي بعض البلاد العربية، من قتل وتنكيل ونفي وهجرة إلى الغرب، كل ذلك يدفعنا لواقع جديد و يجعلنا في الوقت ذاته نتوافق على أن بناء الحضارة الإنسانية على العيش المشترك، أمر لا يقبل الجدال، وأن الحضارة التي نعيش اليوم في ظلّ خدماتها المادية الهائلة، كما نعيش في ظلّ أزماتها المتعاظمة، هي في الواقع نتاج التعاون بين جميع الناس على اختلاف أديانهم وفلسفاتهم وأفكارهم وأنظمتهم، وهي نتاج التكامل بين الأجيال البشرية المتعاقبة.

لكن مع هذا فإن العيش المشترك بين بني آدم أنتج حضارة مادية متطوّرة، لكنّه لم بنتج حتى الآن تفاهما اجتماعيا وسياسيا بين الشرائح الإنسانية المتعددة.

وهنا يأتي دور العقلاء من كل الأديان والملل، لمد جسور التواصي بالحق والفهم من أجل التفاهم.

ثقافة الملط! أو الشلح بالزلط! هل يطالب الغرب المسلمين المقيمين في أوربة بذلك؟

إن الغرب الذي يطالب الوافدين إليه بالاندماج في مجتمعه لا يلزمهم بالانصهار أو التخلي عن الدين, ولا يطالبهم بشلح ورفس هويتهم ولا توجهاتهم!

علينا أن نعترف أن كل انصهار وضياع ملحوظ فمرده إلى ضعف المناعة الذاتية, وضعف الشعور بالمسؤولية الشخصية, وعدم المقدرة على التحكم بالذات والإرادة وتوجيه السلوك.
وعلينا أن نعرف أن من الاندماج أن نتعلم اللغة ومن الاندماج أن نلتزم القوانين، ومن الاندماج أن نكون فاعلين,

لكن ليس من الاندماج أن تترك دينك؛ وتربيتك، أو أن تقص شعرك مثلهم وتلبس مثل بعضهم وتتشبه بحركاتهم وتتقمص مألوفاتهم !

التشبه المنكور يكون في العقائد والخلال لا في الملابس والنعال!

القوانين في الغرب لا تلزمك بترك الدين ولا بالالتزام به،
ولك الحرية في أن تختار دون إكراه .

وفي المجال الأسري والشخصي :

علينا أن نعلم أولادنا ونلتزم نحن أيضا بالأسس الشرعية التي أكّدها قول الله عز وجل: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحبّ المقسطين) (سورة الممتحنة: 8)، وهي تتلخّص بثلاثة قواعد:

القاعدة الأولى:

-احترام الآخر والاعتراف به والتعامل معه.

وهو بالنسبة للمسلمين مسألة شرعية، تشمل كلّ أنواع الاختلاف. لقد أتاح الله تعالى للإنسان حريّة الاختيار بين الإيمان والكفر، ومع ذلك لم يحرم الكافر ممّا أعطاه للمؤمنين، لكنّه بيّن له أنّ الإيمان هو العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ودعاه إليه ورغّبه فيه، (لا إكْرَاهَ في الدِّين،ِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ، فمَنْ يَكْفُرْ بالطَّاغوتِ وَيُؤْمنْ باللَّهِ فَقَدْ استمْسَكَ بالْعُرْوَة الْوُثقَى، لا انفصَامَ لَها واللَّهُ سَميعٌ عَليم) (سورة البقرة: 256)

 

القاعدة الثانية:

-الأخلاق.

وهي التي تحكم أسلوب التعامل مع الآخرين، إنها في نظر الإسلام قيم مطلقة يتعامل بها الإنسان مع الموافق والمخالف، لا تتأثّر باختلاف الدين، ولا بوسائل الإنتاج، ولا بأيّ اعتبار آخر. الأخلاق ليست فقط أسلوب تعامل المسلم مع من يحب، ولا مع أبناء عشيرته أو قومه أو دينه، إنّها أسلوب التعامل مع الناس جميعا, خاصّة المخالفين منهم. هكذا كان رسول الله (ص) يتعامل مع المشركين في مكّة، ومع اليهود في المدينة، وكانت أعظم صفة مدحه بها ربّه قوله عزّ وجلّ: (وإنّكَ لعلى خُلُقٍ عظيم) (سورة القلم: 4).

 

القاعدة الثالثة:

-العدالة.

وهي التي تحدّد الحقوق والواجبات تجاه الغير. إنها أهمّ القيم الإنسانية على الإطلاق. من أجل تحقيقها أرسل الله الرسل بالبيّنات: (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالميزَانَ لِيَقومَ النَّاسُ بالقِسْطِ) (سورة الحديد: 25). الكتاب هو مصدر العدالة. والميزان هو وسيلة تحقيقها، لأنه يعني التوازن بين الحقوق والواجبات. والعدالة من القيم المطلقة التي يأمر بها الإسلام مع العدو والصديق ومع البعيد والقريب، وحتى مع العدو المحارب: (ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى) (سورة المائدة: 8). إنّه لا يمكن أن يقوم عيش مشترك في نطاق دولة معينة أو منطقة محددة، أو حتى في نطاق العالم إلا بإقرار العدالة للجميع، والسلم الوطني والسلم الاجتماعي.

لنتوقف عن اُسلوب التعتيم والتعميم الذي تربينا عليه تجاه الغرب, ما زال كثيرون في الغرب ممن يؤمنون بقيم وأخلاق, ولكن الغرب يحمل المسؤولية على إرادة الفرد.

ولذلك يعرف لاروس الحرية بأنها “قمة الانضباط بالقانون” أي أنت تلتزم بحريتك من دافعك الذاتي.

الغرب يزدري الخيانة الزوجية، ولا يؤيد تعاطي ما يضر بالصحة وإن كان يسمح بها، ويساعد الغرب على الاعتناء بتربية الطفل والاهتمام به ويقدس الرباط الأسري، والصدق والإنتاج والتنظيم والشفافية.

أليس هذا من صلب الانتماء إلى الدين والهوية؟

لنتذكر إن الاتفاق في المنطلقات والأهداف لا يعني بالضرورة الاتفاق على الخطوات والإجراءات، خذ مبادرتك واحرص على تنمية القناعة -لا الفرض- في البيت والأسرة, وفي تعاملاتك، وعليك أن تتذكر أننا نحتاج إلى العاطفة ولنقرنها بالعقل، ولنسمح للحوار بين الأسرة, فلا خوف من الرأي, ولكن الخوف من كبته خوفا من الإرهاب المعنوي.

ففي الأسرة يجب أن يظهر رأي ورأي آخر، وعلى الوالدين أن يرجحا ويختارا مع الأولاد ما ينفع ضمن مرضاة الله، فالله عز وجل يقول “فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه”.

فلا خوف على الوالدين من الاستماع للرأي الآخر من الأبناء، وما نخشاه من رأي ما, يحدث أشد منه نتيجة كبته، فحين يخشى الناس من قول ما يرونه حقا وواجبا ولو خالف غيرهم؛ تختفي آليات الضبط، وانظر إلى أحوال المجتمعات التي ترزح   تحت نير الدول الشمولية مقابل المجتمعات المفتوحة.
التربية التي علينا أن نتوافق عليها: تربية قلوب عباد وليس أعناق عبيد، إنها باختصار المسلم الفاهم الباسم العالم المسالم الذي يمشي على الأرض هونا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد