عن "امرأة قوية مستقلة" وفي قول آخر "سترونج اندبندندت وومن"

ترددت قليلًا قبل دمج «الأمان» و«امرأة قوية مستقلة» تحت عنوان واحد يجمعهما، لكن بالتمعن في الأمر سيتضح أن غياب الأول هو ما أفضى إلى الأخير، وأنه ما ظهر الأخير إلا في محاولة لاستعادة الأول، إذن نحن ندور في دائرة مفرغة أحدهما جزء وانعكاس عن الآخر.

وحتى لا نصطدم عند نقطة أو أخرى بأن كل منّا يتحدث عن أمر مختلف ويدافع عن مفاهيم مضادة من وجهة نظره، ولأن هذا المصطلح يمثل إشكالية عند معظم الناس وخصوصًا الرجال لذا سألجأ لتحرير المصطلح وأعرض ما الذي أعنيه تحديدًا بـ«امرأة قوية مستقلة»:

«امرأة» هي الأنثى من بني البشر، هي حواء، هي رمز العطاء والمحبة والبذل.

«قوية» أعني بها ذات شخصية قادرة على اتخاذ القرارت وتحمل المسئوليات وإدارة حياتها وخلاف ذلك، ولا يعني فرض السلطة والاستعلاء، وأن هذه القوة مُطْلقة ولا يعتريها الضعف البشري عامة والأنثوي خاصة.

«مستقلة» أعني قائمة بذاتها، سواء الاستقلال المادي أو المعنوي من حيث اتخاذ القرارت وإدارة الحياة الشخصية على سبيل المثال، ولا يعني الاستغناء عن شركاء الحياة أو العائلة وإهمال شئون العلاقات وباقي مناحي الحياة.

الأمر الجدير بالذكر أن «المرأة القوية المستقلة» موجودة بالفعل ومنذ عهد بعيد بين النساء اللائي اضطررن لهذا كالمرأة المعيلة، الأرامل والمطلقات والتي تقوم على شئون عائلتها بعد رحيل رجل البيت حيًا (متخليًا عن واجباته أو لظروف ألمّت به) أم ميتًا، أبًا كان أم زوجًا، وتلك التي تساند زوجها وتساعد أسرتها، والتي تقوم على شئون نفسها، إذن هذا حدث ويحدث منذ زمن.

ما الذي جدّ إذن حتى علا صوت هذا المفهوم؟

ما جدّ وجود صيغة تقترب من وصف الأمر، وجود أيدلوجيات تساند النساء وتدعمهم، تغيُّر المفاهيم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، تغيُّر شكل مساهمات المرأة في المجتمع والمناداة بالمساواة، والتأثر بالصور الغربية وسياسات الدول الخارجية والمساحات المتاحة للمرأة لديهم، ضيق وضعف الخطابات الدينية والاجتماعية والمهانات الموجهة إليهن من خلالها.

بالمختصر.. لقد طفح كيل النساء.

مشهد تخيلي

وبسؤال «الأستاذة دال» – وهيَ امرأة شابة- عن تغير أولويات المرأة اليوم عن أسلافها من الأمهات نحو العمل والكيان الشخصي والاستقلال المادي؟

أجابت:

أودّ أولًا وفي البداية التأكيد على مبدأ عدم التعميم، فما سأقوله لا يُعبِّر بالضرورة عن السواد الأعظم من الرجال، وثانيًا توضيح أن اختلاف الأولويات من زمن لآخر لا يعني أن أحدهما خاطئ أو أن علينا فقط أن نتبع نهجًا دون الآخر رغم تغير الظروف، وأن مسلك النساء اليوم جُرم فادح على الرجال التصدي له، وإنما هو نتاج اختلاف الأولويات والمسئوليات والتحديات التي تواجه المرأة اليوم، لذا دعني أسألك ماذا تتوقع من فتيات تربين بين عائلات الأم فيها مضطرة للاستمرار في زيجة مع رجلٍ قد لا يصلح لها زوجًا أو لأبنائها أبًا لكنها في الوقت ذاته لا تمتلك رفاهية الانفصال عنه والاستقلال بحياتها إمّا لعدم استطاعتها المادية أو افتقارها لميزات ذاتية تُمكِّنها من تحمل نتائج هذا القرار بمفردها، أو لأن ذويها لا يتقبلون فكرة الطلاق وإن عزمت النية هددوها قائلين «لا أنتِ بنتي ولا أعرفك»، أو ردة فعل المجتمع العربي تجاه وصمة المطلقة وأنها «معيوبة» و«مطمع» وربما تعذر حصولها على زوج آخر وممارسة حياتها بشكل سوي، بالإضافة إلى القوانين المحلية التي قد تحكم بحرمانها من أبنائها؟ ماذا تتوقع من فتيات تربين على القمع والكبت بسوء استخدام السلطة الأبوية من قِبل والديها والابتزاز العاطفي والنفسي والأذى الجسدي والعنف، ولَيّ عنق النصوص الدينية سواء من قِبل الزوج أو الأب كي يكبتوا حرياتهن وما قد يُجبرن عليه؟

تلك فئة وفي الضفة الأخرى فئة لم تحيا تلك الظروف لكنها رأت أو سمعت أو قرأت، وهناك فئة أخرى متأثرة فقط بالتيار ومقتنعة به سواء كانت في المساحة المقبولة أم كانت مغالية في الأمر، هن يا سيدي إمّا متأثرات بتجارب ماضيهن أو التجارب المحيطة أو يتلبسهن الخوف من المستقبل، الخوف من أن تفشل زيجاتهن ويضطررن إلى تكرار نفس السيناريو السابق معهن فإذا بهن يسعين نحو محاولة الوصول إلى مساحة تكفل لهن الاستمرار، مساحة تضمن لهن أن يستطعن تكوين شخصية يمكنها الاختيار بشكل صحيح وتكوين أسرة سوية والحياة بشكل سوي.

وماذا عن الرجل؟

ماذا عنه؟ الرجل الشرقي يرى المرأة اليوم متمردة على موروثات أمه وجداته المتفانيات المعطاءات الباذلات بلا حدود ولا شروط، تلك التي يريدها «سي السيد» مذعنة وخاضعة وذليلة، هو لا يريدها بالضعف الأنثوي المحمود بل بالضعف الأقرب إلى العجز، يريدها نسخة عاجزة بدونه، امرأة تدور في فلكه، لا تعرف من الكون سواه، تسبح بحمده ولا تعصي له أمرًا مهما يكن، رجل ينظر إلى تفوقها واستقلالها وقوة شخصها وكأنها تهديد لوجوده وسيسلبه رجولته «المزعومة».

الرجال اليوم ما زالوا لا يريدون رؤية ما خلف الصوت العالي لهذا التيار، وأزيدك من الشِعر بيتًا الرجال ساهموا بقدرٍ ليس باليسير في هذا التوجه بالإضافة طبعًا للقمع والكبت وسلب الحقوق هناك افتقاد الأمان بصورته الأوضح مما يدفع المرأة للبحث عنه بطريقتها المناسبة، وهناك السخرية من أدوارهن المعتادة في الحياة كأم وربة منزل قائمة بواجبها، لقد أخطأوا بحصر دور المرأة في ذلك، وكون هذا هو مضمارها الأرقى والأعظم لا ينفي عنها قدرتها العطائية والإنتاجية في مجالات أخرى بل وأن وجودها فيها ليس رفاهية أو مدعاة فارغة لـ«إثبات الذات» كما يدّعي هؤلاء الرجال، وإنما هي ضرورة وعلى فريق من النساء أن يقفن على تلك الثغور وأن يساعدن البقية من بنات حواء أو البشرية جمعاء، لقد ساهموا بذلك حينما تهكموا وحطّوا من شأن ما تفعله المرأة، بل وظلوا يكررون «الست مكانها المطبخ» وكأنهم بذلك يقولون أنتِ أيتها المرأة أقل في المكانة منّا ولا فلَاح لكِ سوى هناك وهذا إن فلحتِ فعلًا، ربما كان خروجها رد على هذا السفه وربما اشتركت فيه الكثير من العوامل الأخرى وربما كل هذا وأكثر.

والرجل رغم كل ذلك ما يزال يتهكم وما يزال لا يرى كل تلك التغيرات التي طرأت على المرأة اليوم، وما زال يريدها كما كانت جداته، يريدها الخاضعة الذليلة لا الشريكة والسكن، يريدها كسيرة عديمة الحيلة بدونه لا السند والعون، يريدها تقوم بكل المسئوليات داخل المنزل وخارجه ولا يرى أن له دورًا في هذا، وحتى لا يغضب فريق من الرجال ويشنوا هجومهم عليّ، لقد أرسيت في البداية مبدأ عدم التعميم، بالإضافة إلى أن الرجل قد يبخل حتى بكلمات التقدير والشكر لما تقاسيه المرأة ويرى أن ما تفعله واجب أصيل لا تستحق عليه شكرًا ولا ثناءً، ما لا يفهمونه أن المرأة إذا أحبت بذلت، وطاقة بذلها غير محدودة تُجددها الكلمة الطيبة والتقدير ويُحيها الاعتراف بقدرها وفضلها، بذل المرأة تغذيه غريزتها الأمومية التي تدفعها إلى العطاء اللامحدود، إلى التسامح والتغافل والصبر، عطاء لا يمنعه إلا الحجود وعدم التقدير ونكران الفضل.

لماذا تنساق غالبية النساء وراء هذا التيار وبقوة؟

بالاتفاق على أنه لا توجد إحصائيات أو أرقام دقيقة تؤكد حقيقة الأسباب؛ لذا لا يمكننا الجزم بأن الغالبية تؤيده، لكن هذا لا يتنافى مع حقيقة وجود هذا التيار ومؤيديه محليًا وعالميًا، ووجوده بالقدر المقبول المعقول وبالقدر المتطرف، أمّا عن الأخير فأمره يشبه أن تأخذ جانبًا أقصى ثم ما تلبث أن تأخذ الأقصى المقابل له ثم بالاستمرار والتطور والفهم ستصل إلى التوازن، ما أعنيه أن تفضيل النساء قديمًا لأشياء ومبادئ ونبذ أخرى، ثم الآن تفضيل أشياء ومبادئ ونبذ أخرى مضادة سيفضي بالزمن والتطور والفهم إلى مساحة متوازنة تهتم فيها النساء بنفسها وحياتها الشخصية والأسرية والزوجية بدون التنافي والتفضيل المطلق لأحدهما على الآخر، فالنساء سيصلن للتوازن يومًا ما.

لماذا تظل النساء تكرر هذه العبارة في حين أن الرجال لا يفعلون ذلك؟

لأنهن وقعن في فخ المساواة بين الرجل والمرأة، فالمساواة تقتضي أن نقف على قدم واحدة ولا نراعي تلك الاختلافات البيولوجية والنفسية ومستوى المهارات …إلخ، إذن فقد دخلت المرأة عالم الرجال وتخلت ولو جزئيًا عن مفردات عالمها بل ونبذت ما هو أصيل في الأنثى في سبيل اللحاق بدرب الرجال، وطبقًا لذلك فالرجل متفوق على المرأة في بعض من المجالات التي سبقها إليها وهذا لا يعني بالتبعية أنه أكفأ منها أو العكس، وإنما هي نقطة وصول وعقبات ومسئوليات، والمرأة تواجه عقبات ومسئوليات قد لا يلاقيها الرجل مثل المفاهيم المجتمعية والأمومة والتغيرات البيولوجية لها.

ولأنهن يسعين إلى ما ينشدنه لا لما هو كائن فعلًا، وعندما سيصلن حقًا لن يتحدثن، وإنما ستكون للأفعال الكلمة العليا.

عن المغالاة والتمكين

مما لا شك فيه وجود مغالاة وتطرف في تفسير وتطبيق هذا المفهوم وما يتبعه من سلوكيات وقرارات قد تؤدي إلى ما لا ننشده، وهنا يبرز مفهوم «التمكين» في مقابل «القوة» حيث التمكين (القوة مدمجة مع الهشاشة والضعف الإنساني)، والقوة نسبية غير مجردة مما يعتريها من الضعف البشري،هي قوة تعترف وتحتضن ضعفها ولا تنكره وتنبذه، قوة الهدف منها الفاعلية لا فرض السلطة وإثبات من هو صاحب الصوت الأعلى، ولهذا فإن النساء يسعين للتمكين أكثر من الرجال لأنهن لا يمتلكن الفرص المتساوية للقوة التقليدية، ولذا هن مضطرات للعمل من موضع التمكين، وأي محاولات لنبذ هذه الهشاشة والضعف البشري والأنثوي لديهن ستأتي بنتائج عكسية وهذا ما قد يثبته الزمن أو ينفيه.

معضلة الأمان

وبالعودة للحديث عن الأمان بشقيه وخصوصًا المعنوي، فلا أحد عاقل متزن رجلًا كان أم امرأة يختار بملء إرادته أن يكون في ركن الحائط القائم بذاته بلا دعم أو سند، لا أحد يريد ذلك، ولا النساء تريد ذلك أيضًا، وتلك هي فطرة الله فينا، لكن عندما يتخلى الرجال عن أدوارهم وتفرض الحياة المدنية الحديثة معاييرها الاجتماعية والاقتصادية بل والسياسية ويتجه الحال نحو الأُسر الصغيرة القائمة بذاتها بلا أي دعم خارجي من أي نوع، سيتعين على المرأة أن تتخذ إجراءات وقرارات تُمكِّنها أن تظل قائمة وتؤدي رسالتها؛ فالحياة لا ترحم يا عزيزي.

فقد كان الرجل أبًا وأخًا وزوجًا وخالًا وعمًا وباقي الأسرة حتى من النساء أهم المصادر المانحة للأمان المادي والمعنوي، أمّا اليوم فقد تغيرت المعايير وتبدلت الظروف وتفككت الروابط القديمة وصار كلٌ منّا يحارب من أجله قوته وأولاده بالكاد، عندها ما الذي تتوقعه من امرأة مهددة لأي سبب أن تصبح المعيلة وربما «الوحيدة» لنفسها وأولادها وأسرتها؟!

ومن هنا أودّ نقل صورة موازية ترى فيها نساء قد بلغن مناصب ومكانات وامتلكن من الميزات الشخصية والعملية الكثير وربما تخطين من العمر ما هو متعارف عليه «سن الزواج»، تلك النساء بلغن نقطة قد لا يهم عندها في الشراكة الحياتية لا المنصب ولا المال قدر الشراكة المتفهمة الداعمة لا المتسلطة المتحكمة، تريد الأمان.

لقد تبدلت المفاهيم والروئ يا عزيزي فانظر إلى ذلك والتمس إليه طريقك وكيف تريد رسمه بعد التعديل.

الحياة بيننا ليست مضمار حرب

نحن – معشر النساء والرجال- لسنا في مضمار حرب ننتظر أن يُعْلَن في النهاية من المنتصر، نحن شركاء حياة، ليس بمفهوم الأزواج وإنما بالمفهوم الأشمل الذي يرى أننا نتشارك الحياة ونساهم فيها معًا، يساند بعضنا بعضًا ويكون عونًا لا أن نقضي شطرًا كبيرًا في حروب فكرية وأيدلوجيات شتى، وإنما لنصل إلى بر أمان نتقاسم فيه الحياة بشكل مُرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد