بعد انقطاع كبير عن الكتابة، ربما لأن منابع الأفكار جفت أو أن الكتابة لم تعد مجدية لأولئك الشباب اليائسين الذين فقدوا الشغف في الحياة، ويعيشون اليوم بيومه لا يفكرون ولا يخططون. يتحكم الوقت بهم، ولا يتحكمون به. فقدوا السيطرة على كل شيء داخلهم، وخارجهم حتى شعروا بقلة الحيلة، وضياع الأمنيات فقرروا أن يستأسدوا على أنفسهم ويثبتوا لأنفسهم قبل الآخرين أنه ما زال زمام الأمور بيديهم وهم في الحقيقة يتظاهرون بذلك فقط. وعندما لمست هذه الظاهرة في المجتمع أردت أن أُلقيَ الضوء للقُرَّاء عليها. لذا سأسرد تلك المواقف التي عاصرتها واحدًا تلو الآخر حتى نستنتج ونحلل سويًا.

 الموقف الأول: كان لي أحد الأصدقاء قد توفي والده والذي أصبح الأمر ضروريًا أن نتكاتف معه في خطوات الدفن حتى يشعر بالدعم المعنوي فيصبر ويتحمل، حتى جئنا لوقت الدفن وانهار صديقي في البكاء ولم يستطع الوقوف على قدميه حتى نهره أحد عمومته بصوت عال أمام الجميع «إنت راجل ومفيش راجل بيعيط كنت قعدت مع الستات في البيوت!».

الموقف الثاني: كان في زفاف أحدِ من المعارف والذي اجتمع بمن تُكمِل له دينَه بعد خطبة دامت أربع سنوات وعند عقد القرآن انغمر وجهه بالدموع حتى أن أحدًا من أصدقائه قال له بسخرية «أومال سبت إيه للبنات !».

الموقف الثالث: حينما كان أحد المتزوجين من أقربائي يغازل زوجته في يوم حافل بالأقارب وانهالت عليه الضحكات والتعليقات وكان من بينهم «ما تسترجل يالا!».

الموقف الرابع: ظاهرة عامة بين الشباب في كتاباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي ونبذهم لفكرة الزواج ومجتمعين على فشل شيء فطرنا الله عليه، وكيف أنه يسبب تعاسة الشباب لمجرد الزواج بالرغم من أنهم أخذوا قرارًا مبنيًا على لا شيء أو على تجارب سابقين ربما لم يحالفهم التوفيق في اختياراتهم فبنوا بداخلهم قناعات خاطئة عن فطرة ميزت كل بني آدم عن الحيوانات. ربما الكثير من هؤلاء الشباب في حاجة للعفة وأن يمارس شهواته الفطرية بشكل سليم، ولكنه قرر أنه لا يحتاج للعفة مرددًا جملة «إحنا إسترونج ومبيهمناش الكلام ده!».

في الحقيقة في كل موقف من تلك المواقف يجعل عقلي يأخذ قسطًا من التفكير هل تلك الكلمات التي خرجت من تلك الأفواه ستُخرِج أناسًا أسوياء نفسيًا أم أنها معتقدات خاطئة توارثتها الأجيال لقلة المعرفة أو على سبيل المزاح الذي ترسخ بالزمن في العقول؟! هل البكاء مقتصر على النساء فقط، وأن الرجال لم يخلقوا بغدد دمعية تجعلهم يعبرون عن مشاعرهم بالبكاء؟ هل تلك المعتقدات ستثبت فشل العلوم الإنسانية التي تعلمنا أن الفرح أو الحزن ما هي إلا طاقات يعبر كل منّا عنها بطريقته؟ هل فطرنا جميعًا على نفس النسق وهو أن النساء تبكي والرجال يصمتون؟ هل مغازلة الزوج لزوجته يعتبر انتقاصًا من رجولته؟ أم أن الغزل يُعبِّر عن الأنوثة فقط وأن الرجل الذي يقول الكلام الليِّن لأهل بيته يُصنَّف من النساء؟ وهل كون ظروف الشباب غير مهيأة للزواج تجعلهم لا يحتاجون للعفة؟ وهل الشاب الذي يتظاهر بأن العفة لذوي الأنفس الضعيفة – كما يدَّعي – هو من أقوى الرجال؟

 وهنا بعد طرح كل الأسئلة جاءت الإجابات دون عناء في البحث في حياة مَنْ سبقونا فتذكرت موقف وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما بكى الصحابة جمعيهم على وفاته ولم يخرج صحابي واحد يحدثهم أن البكاء من شيم النساء أو أن «مفيش راجل بيعيط!».

 تذكرت مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم مع زوجاته ولنا في كل موقف لعبرة ودرس في التعامل مع الزوجة وتدليلها واحتوائها، ورغم ذلك عندما نسمع عن مواقف الرسول مع زوجاته في خطب الجمعة يصاحبها مصمصة الشفاه وكأننا وعينا الدرس جيدًا ثم نرجع البيوت وخلَّفنا وراءنا ما سمعناه، كأنَّ ما نسمعه هو من أجل السماع وما نطبقه هو ما وجدنا عليه مجتمعاتنا، بل إنْ وجدنا من يطبقون ما سمعوه تتوالى عليهم التعليقات والسخرية.

 أما عن أولئك الذين يثرثرون كلمات لم يعوا معناها جيدًا تحت مسمى إن من الرجولة إنه يقدر على العيش وحيدًا دون الحاجة لمن تعيش معه وتتقاسم معه أوقاته أو من يَعْتَفُّ بها وبكل وضوح ينافي قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – «من استطاع منكم الباءة فليتزوج». لا أظن أن من معايير الرجولة أن تتظاهر بأنك لست في احتياج للعفة والزواج بل من السذاجة أن تدخل في تحدٍ واضح مع فطرتك السليمة حتى تُنَكِّسَها.

 يا عزيزي لا تستأسد على نفسك فالبكاء نعمة من نعم الله علينا نستطيع بها أن نُخرِج طاقات الحزن الكامنة في صدورنا فيرتاح صدرنا وإن كانت نقمة أو عيبًا لما فطرنا الله بها.

يا عزيزي لا تستأسد على نفسك وعلى رفيقة عمرك، فلولا كلمات الغزل لما كان الرباط بينكما قائمًا على المودة والرحمة. فَــسِرْ على درب الرسول ولا تلتفت لما يدسه المجتمعات من تعليقات في عقلك.

 يا عزيزي لا تستأسد على نفسك واعترف في داخلك أنك تحتاج للعفة، لكن الوقت الحالي لا يسمح لأنك غير مقتدر ماليًا أو أنك لم تجد الشريكة المناسبة. أما غير ذلك فهو انتكاس للفطرة وتبديل لخلقتك السوية والذي يجعل التوازن النفسي عندك مختلًا مع الوقت، وحينها فقط سنندم على كل شعور قاومناه بجهل منّا من أجل أن نظهر أقوياء وفقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد