رأى الحَسَن بن علي – رَضي الله عنه – حالة الاِنْقِسام الَّتي يَعيشها المُسلِمون، فتَنازل عن الخِلافَة لمُعاوية – رَضي الله عنه – تَوحيدًا للصَّف وحَقنًا للدِّماء، وحَقَّق بذلك نُبوءَة المُصْطفى “إن ابني هذا سَيِّد، ولعَل الله أن يُصْلِح به بين فِئَتَين عَظيمَتَين مِن المُسلِمين”[1]، وبتَنازُل الحَسَن بَدأت مَرْحَلَة جَديدة في تاريخ الأُمَّة؛ لَيست كخِلافَة الرَّاشِدين ولَكِنَّها ظَلَّت على المَنْهَج القَويم، إذ يُمكِن القَوْل أنَّه اِخْتَلَط فيها العَمَل الصَّالِح والسَّيء؛ هذا إذا نَظَرنا إليها مِن مَنظور شَرعي صِرْف، أمَّا إذا كانت النَّظْرَة على أساس المُقارنة مع الدُّوَل المُتزامِنَة مَعها والمُعاصِرَة لنا، فلا شَك أن كِفَّة الدَّوْلَة الإسْلاميَّة هي الرَّاجِحَة دون مُنازِع، ويَكفي أنَّها الوَحيدة مِن بين تلك الدُّوَل الَّتي قامت على “لا إله إلَّا الله”.

وبالجُمْلَة فإن مَرْحَلَة المُلْك العاض تَغلُب عليها المَلامِح الإيجابيَّة؛ وبخاصةً إلى فتْرَة ما قَبل الاِضْمِحْلال الأخيرة، والَّتي اِنْتَهت بسُقوط الخِلافَة الإسْلاميَّة لأوَّل مرَّة في تاريخ المُسلِمين.

فيما يَلي نَستعرِض أهم تلك الإيجابيَّات، ثُم أبرز المَلامِح السَّلبيَّة، والَّتي تَراكَمت حَتَّى أوصلت المُسلِمين إلى أسوأ المَراحِل الَّتي مرَّت بهم؛ المُلْك الجَبْري:

 

المَلامِح الإيجابيَّة:

  1. الأخلاق الإسلاميَّة:

أهَم ما نَلمحه في تلك المَرحَلَة مِن تاريخ المُسلِمين هو تَجسيدهم للأخلاق الإسلاميَّة.

هذا عُمر بن عبد العَزيز؛ بَلَغ اِحْساسه بالمَسئوليَّة والخَوف مِن الله أنَّه “لمَّا رَجع مِن دَفن سَلفه سُليمان بن عَبد المَلك رآه النَّاس كَئيبًا مَهمومًا بمآل المُلك إليه بَدلًا مِن أن يَكون سَعيدًا مَغبوطًا به فلمَّا سألوه عن السَّبب قال: “ليس أحد مِن أُمَّة مُحمَّد في شَرق الأرض ولا غَربها إلَّا وأنا أريد أن أؤدي حَقَّه مِن غير طَلَب مِنه”. تَقول زَوجته دَخلت عليه وهو في مصلاه ودُموعه تَجري على لحيته فقُلت “أحدثَ شَيء” فقال “إني تَقلَّدت أمر أُمَّة مُحمَّد فتفكَّرت في الفَقير الجائِع والمَريض الضَّائِع والعاري والمَظلوم المَقهور والغَريب الأسير والشَّيخ الكَبير وذي العيال الكَثير والمال القَليل وأشباههم في أقطار الأرض فعَلمت أن رَبي سيسألني عنهم يَوم القيامة وأن خصمي دونهم مُحمَّد صَلَّى الله عليه وسَلَّم إلى الله فخَشيت أن لا تثبت حُجتي عند الخُصومة فرَحمت نَفسي فبَكيت”.[2]

ومِن الثَّابِت تاريخيًّا أن مَناطِق كَثيرة قد دَخلها الإسلام بأخلاق المُسلِمين ودون قِتال؛ فإندونيسيا الَّتي بها أكبر عَدَد مِن المُسلِمين في العالَم قد دَخلها الإسْلام بدَعوة وأخلاق التُّجَّار المُسلِمين، والأمر نَفسه قد حَدَث في الفِلِبين الَّتي بها اليَوم ما يَزيد عن 12 مِليون مُسلِم ومُسلِمة، وفي جُزُر المالديف الَّتي كُل سُكَّانها مُسلِمون ولا يُسمَح لغير المُسلِم أن يَكون مُواطِنًا فيها بنَص الدُّستور… إلخ.

 

  1. الجِهاد والفُتوحات:

واصَل المُسلِمون – اِسْتِمْرارًا لما كان عليه رَسول الله والخُلفاء الرَّاشِدون – الجِهاد، وحقَّقوا مَزيدًا مِن الفُتوحات، فاِمْتدت الدَّوْلَة الإسْلاميَّة بَعد أقل مِن مائة عام على وَفاة النَّبي مِن أطراف الصين شَرقًا إلى جَنوب فرنسا غَربًا، وظلَّت جَزيرة صِقليَّة إمارة إسْلاميَّة فَتْرَة تَزيد عن القَرْنين (831: 1072م)، وفي الوَقت الَّذي تعرَّضت فيه الأندلُس إلى السُّقوط بعد حَضارة دامت نحو ثَمانية قُرون (711: 1492م) كان المُسلِمون قد كَتَبوا مَجْدًا جَديدًا عندما فَتَح السُّلطان العُثماني مُحمَّد الفاتِح مَعْقِل النَّصرانيَّة وعاصِمة الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة مَدينة القُسْطَنطينيَّة في العام (857 هـ/ 1453م)، ليَتغيَّر اسْم المَدينة إلى إسْلامبول؛ أي مَدينة الإسْلام، ويَصير مَقَر بَطْريَركيَّة الكَنيسة الأرثوذكسيَّة الشَّرقيَّة “آيا صوفيا” مَسْجِدًا، بل وتُصْبِح المَدينة عاصِمة الخِلافة. كما فَتَح سُليمان القانوني في العام 1521م بِلغراد عاصِمة صربيا وأكبر مُدُنها، وفُتِحت بودابِست عاصِمة مَمْلَكَة المَجَر[3] في العام 1526م.

هذه مُقْتطفات مِن أمْجاد المُسلِمين ومَظاهِر عِزَّتهم وتَمْكينهم الَّتي ما كانت لتَتَحقَّق دون جِهاد، أمَّا نَحن؛ فبَدلًا مِن الخُروج لجِهاد الطَّلَب تَقاعسنا عن جِهاد الدَّفْع!

 

  1. الحَرَكَة العِلْميَّة:

لَعل أهم ما قدَّمه العُلماء المُسلِمون هو المَنهج العِلمي التَّجريبي، والَّذي قامت عليه حَضارة الغَرب اليَوم. أمَّا ما أنْجزوه وساهَموا به في حُقول العِلم، فأكبر مِن أن يُحصى.

نَذكُر على سَبيل المِثال أن جابِر بن حَيَّان (101: 191هـ) – رائد الكيمياء الحَديثة – قد أدخَل المَنْهَج التَّجريبي إلى الكيمياء، واِكْتَشَف القَلَويَّات (Alkali). وأن الخَوارِزمي (164: 232هـ) هو مُؤسِّس عِلم الجَبر (Algebra)، وإليه تُنسَب الخَوارِزميَّة (Algoristhm). وأن العالِم المُسلِم ثابِت بن قُرَّة (221: 288هـ) قد تَوصَّل لحِساب طُول السَّنة الشَّمسيَّة، وقَدَّرها بـ365 يَومًا و9 دَقائِق و12 ثانية؛ أي أخطأ بثانيتين فَقَط، كما وَضَع مُعادلة لحِساب الأعداد الصَّديقة (Amicable Numbers). وأن كِتاب “القانون في الطِّب” لابن سينا (370: 427هـ) بَقي المَرجع الأساسي لتَدريس الطِّب في مُختَلَف جامِعات العالَم حَتَّى أواخِر القَرن السَّابع عَشَر. وأن ابن النَّفيس (607: 687هـ) قد اِكْتَشَف الدَّوْرَة الدَّمَويَّة الصُّغرى. وأن ابن خَلدون (732: 808هـ) هو مُؤسِّس عِلم الاِجْتِماع.

 

  1. العُمْران والتَّمدُّن:

يَقول جوزيف ماك كيب في كِتابه “مَدَنيَّة المُسلِمين في إسبانيا”:

“مع أن السَّير في ذَلِك الزَّمان لم يكن سَريعًا فقد قال المُؤرِّخون كان السَّائِر في بِلاد إسبانية لا يَسير مَسافة يَوم إلَّا ويَمُر على ثَلاث مُدُن، وأمَّا القُرى فكانت لا تَنقطع تَقريبًا. وكانت على أحسن حال مِن العُمران..”.[4]

“ويُقدَّر مَجموع سُكَّانها بثَلاثين مِلْيونًا، وزيادة السُّكَّان بهذا القَدر العَجيب هي في حَد ذاتها دَليل على الدَّرَجة العالية الَّتي وَصَل القَوم إليها مِن المَدَنيَّة”.[5]

“فاعلم أن أُمَّهات المُدُن الأوروبيَّة لم توجد فيها قَنوات لصَرف المياه القَذرة حَتَّى بَعد مُضي ستُّمائة سَنَة مِن ذَلِك التَّاريخ فكانت المياه المُنتَّنة النَّجسة تَجري في طُول شَوارِع باريس ولَندن غير المُبلَّطة أو تَجتمع فيَتَكوَّن مِنها حياض حَتَّى بَعد ما عَملت النَّهضة في أوروبَّة عَملها قُرونًا طُوالًا. أمَّا في مُدُن المَغربيين فكانت الشَّوارِع مُبلَّطة مُنوَّرة قد سويت فيها مَجاري المياه أحسن تَسوية في أواسِط القَرن العاشِر”.[6]

“فكانت في قُرطبة وَحدها تُسعمائة حَمَّام عام وكانت الحَمَّامات الخاصَّة كَثيرة في كُل مَكان، أمَّا في بَقيَّة بِلاد أوروبَّة فلم يَكن فيها ولا حَمَّام واحِد”.[7]

 

المَلامِح السَّلبيَّة: مِن المُهِم قبل الحَديث عن تلك السَّلبيَّات أن نَلفت القارئ إلى حَقيقة هامَّة، وهي أن مَنشأ هذه السَّلبيَّات ليس الدِّين مِن قَريب أو بَعيد، بدَليل أن الإسلام – وكما سَيَتبيَّن – قد حذَّرنا مِن الوُقوع فيها، ومع ذَلك تَنبَّأ بعَدَم الاِسْتِجابة وبمَصيرنا المَحتوم مِن تَكالُب الأُمم علينا.

  1. التَّفرُّق والتَّحزُّب:

أخبَر رَسول الله – صَلَّى الله عليه وسَلَّم – أن الأُمَّة سَتَفترق على 73 مِلَّة، كُلَّها في النَّار إلَّا واحِدة، وهي الجَماعة.[8] وقد رأينا كَيف بَدأت الأُمَّة في التَّفرُّق بَعد أقل مِن نصِف قَرن على وَفاة النَّبي، ولَيس المَجال هُنا لَبيان كَيف بدأت الأحداث وكَيف تَطوَّرت إلى أن صارت إلى ما صارت إليه.

  1. الاِسْتِبداد:

لم يَخل التَّاريخ الإسلامي في تلك المَرْحَلة مِن اِسْتِبداد الحاكِم، ولَكِن اِسْتِكانة المَحكومين لهؤلاء المُستبِدين بَدأت بَعد القُرون الثَّلاثة الأُولى؛ مع اِنْتِشار فِكرة “عَدَم الخُروج على الحاكِم” في الأوساط الفِقهيَّة. ويَبدو أن الفُقهاء قد أصابوا في هذه الفَتْوى.

وحَتَّى لا يَفهم القارئ كَلامهم وكَلامي على غَير مَعناه، فإن الفُقهاء قد قَصدوا عَدَم الخُروج على: الحاكِم المُسلِم المُستوفي لشُروط الإمامة، ولَكِنه مُستَبِد، فقد كان هؤلاء الحُكَّام مُقيمين لأحكام الشَّرع ومُجاهِدين في سَبيل الله، غير أنَّهم في بَعض الأُمور قد خَرَجوا – اِعْتِمادًا على تأويل باطِل أو حَتَّى لهَوى، ولَيس إنكارًا لآيات الله وسُنَّة رَسوله – مِن عَدل الإسلام إلى الاِسْتِبداد والظُّلم.

فقد رأى الفُقهاء بعد أن وازَنوا بين بَقاء الحاكِم الظَّالِم أو الخُروج عليه وَفق قاعِدة “أخَف الضَّررين” أن مَفسَدَة الحاكِم الظَّالِم “المُقيم لأحكام الشَّرع” أهون مِن المَفاسِد الَّتي قد تَحدُث في حالة الخُروج عليه.

  1. الصِّراع على السُّلطة:

لا شَك أن صِراعًا على السُّلطة قد بَدأ مِن بَعد أحداث الفِتنة؛ مع تَحوُّل الحُكم مِن الخِلافة إلى المُلك العاض وتَوارُثه في بَني أُميَّة. غير أن الأمر زاد على ذَلِك، فرأينا مَن يَقتُل أباه أو أخاه مِن أجل الرِّئاسة، بل رأينا مَن يَتعاون مع غير المُسلِمين ليَسترد مُلكه أو يَتوسَّع على حِساب غيره مِن أُمراء المُسلِمين.

  1. مَظاهِر التَّرف:

“ما الفَقر أخشى عليكم، ولَكِني أخشى عليكم أن تُبسَط الدُّنيا عليكم كما بُسِطت على مَن كان قبلكم، فَتَنافسوها كما تَنافسوها، وتُهلككم كما أهلكتهم”.[9]

صَدَقت يا رَسول الله.. تَنافسناها وأهلكتنا.

راجع المَرْحَلتين السَّابِقتين للمُلك العاض على الرَّابِطين التَّاليين:

  1. مَرْحَلَة النُّبوَّة
  2. مَرْحَلَة الخِلافة الرَّاشِدة

_____________________________________________________________________________________________

[1] صَحيح البُخاري.

[2] أبو الأعلى المَودودي، الخِلافة والمُلك، الطَّبعة الأولى: 1978، ص 125

[3] كانت تضُم المَجَر وسلوفاكيا وكرواتيا وشَمال صربيا وأجزاء مِن رومانيا.

[4] الطَّبعة الثَّانية (1985)، صـ 41

[5] صـ 42

[6] صـ 44

[7] صـ 52

[8] أخرجه أبو داوُد، وأحْمَد في المُسنَد، وغَيرهم.

[9] صَحيح مُسلِم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد