سلميتنا أقوي من رصاصهم
«لا بد من وجود جماعة صادقة في دعوتها إلى الله، جماعة تقطع صلتها بكل شيء سوى الله، جماعة تتحمل السجن والتعذيب والمصادرة وتلفيق الاتهامات وحياكة الأكاذيب، وتقوى على الجوع والعطش والحرمان والتشريد، وربما القتل والإعدام، جماعةتبذل الأرواح رخيصة، وتتنازل عن الأموال بالرضا والخيار. وتقدم كل ما تملك قربانًا في سبيل إقامة مجتمع الإسلام ونظامه…» كان هذا هو النداء الأول الذي أعلنه المفكر المجدد مؤسس كبرى الجماعات الإسلامية في شبه القارة الهندية، الإمام أبو الأعلى المودودي، داعيًا إلى تأسيس كيان يضم كل من يؤمن بفكرة الإسلام منهج حياة، المتحمسين لها، المستعدين للتضحية والبذل من أجل تحقيقها، فاستجاب له الكثيرون لتتكون الجماعة الإسلامية عام 1941.
إن الرجل الصالح يتكلم بالكلمات ذاتها التي تحدث بها الإمام الشهيد حسن البنا إلى إخوانه، مع أنهما لم يلتقيا، ولكن لا عجب في ذلك فالمعلم واحد، ومصدر التلقي واحد، فكلاهما نهل من كتاب الله وسنة نبيه، صلى الله عليه وسلم، وتعلما من سيرة السلف الصالح كيف تعاملوا مع النصوص، وكيف حولوها من فلسفات ونظريات إلى واقع يعيشونه ويتعاملون به.
انظر إلى الإمام الشهيد حسن البنا ماذا يقول لإخوانه: «سيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات، وظلم الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بكم كل نقيصة، وأن يظهروكم للناس في أبشع صورة، معتمدين على قوتهم وسلطانهم، ومعتدين بنفوذهم وسلطانهم، وستدخلون بذلك في التجربة والامتحان، فتسجنون، وتفصلون، وتنقلون، وتشردون، وتصادر مصالحكم، وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم أمد هذا الامتحان، ولكن الله وعدكم بعد ذلك كله نصرة المجاهدين، ومثوبة العاملين المحسنين».
وتتضح الفكرة أكثر وينضج الفهم لفكر هذا الرجل الصالح أبي الأعلى المودودي عندما تقرأ نصيحته للشباب، فيقول رحمه الله: «يا شباب.. نصيحتي إليكم أن تجعلوا القرن القادم قرن الإسلام، لأن الحضارة الراهنة توشك على الانهيار، وسوف يكون هناك فراغ في حياة البشرية، ولن يستطيع أن يملأ هذا الفراغ إلا الإسلام، فعليكم أن تجاهدوا لملء هذا الفراغ بالصبر والمتابعة، ولقد جربنا نحن فوائد هاتين الكلمتين في باكستان، ولا ينبئك مثل خبير… لا تقوموا بعمل جمعيات سرية لتحقيق الأهداف، وتحاشوا استخدام العنف والسلاح لتغيير الأوضاع؛ لأن هذا الطريق نوع من الاستعجال، إن هذا الطريق أسوأ عاقبة، وأكثر ضررًا من كل صورة أخرى، وأن الانقلاب الصحيح سيحصل بعمل علني واضح وضوح الشمس في رابعة النهار».
بل إنه كان يعارض بشدة فكرة استخدام السلاح في الدعوة، وأبى ذلك على من طالبوه باستعمال القوة ضد المعارضين لهم ومن ينالون منهم قائلًا لهم: «إن الإسلام إن لم يكن حاكمًا فاستعمال أبنائه السلاح يعد بمثابة انتحار، والرسول (ص) لم يسمح لأصحابه في العهد المكي باستخدام القوة ضد هؤلاء الذين كانوا يعذبونهم ويضطهدونهم، ولم يسمح لهم بذلك إلا بعد انتقالهم إلى المدينة المنورة وتكوين الدولة الإسلامية».
لعلك الآن أيها الحر الثائر الذي ضاقت نفسه بظلم الظالمين، وبتجبر المتجبرين، وبتنكيلهم بالأحرار والمخلصين، قد زال عجبك من إخوانك الصامدين الصابرين، الذين رغم كل ما يتعرضون له من شتى صور الظلم يصرون على المسار السلمي في ثورتهم، ومنذ أيام الثورة الأولى أعلنوا شعار ثورتك: «سلميتنا أقوى من رصاصهم»، ومنذ الرصاصة الأولى التي وجهها العسكر إلى صدورهم صاحوا: «لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين». لم يكن هذا الموقف الذي يصرون عليه، والذي قد يختلف معهم فيه البعض منا، حبًّا منهم في أن يلعبوا دائمًا دور الضحية، ولكنه خيار شرعي مستمد من كتاب الله وسنة رسوله، حراك منضبط بضوابط الشرع وبفقه الواقع، وحفاظًا على الدعوة وأبناء الدعوة.
فهذا هو الطريق، وهذه هي أشواكه، وتلك عقباته، ولا نملك إلا أن نجتازه كما قال هذا الرجل الصالح «بالصبر والمتابعة» حتى يأتي أمر الله وهو آت لا محالة، والنصر للمؤمنين، والعاقبة للمتقين «ولتعلمن نبأه بعد حين».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد