الذهاب بالهدف إلى غير مكانه، ضيق الفسحة التي اتسعت لك دائمًا، شيء مستمر بالمقاومة والخسارة، الصعود على ظهر الآخر، حب الذات، وتفضيله على الفكرة، وعلى الجماعة، ثمّ يتصاعد الشرر بأنه صراع النوع ذاته.

صراع البقاء ذاك الذي لا يمتلك أي قوانين عامة، ولا يمكن إيجاده في (كتالوجات) الاستعمال، إنه الصراع الذي ابتدأ بقابيل وهابيل، حين طغى حب الذات على أي شعور طيب، واشتعلت الغيرة ليقتل قابيل أخاه هابيل.

لم يتوقف صراع البقاء هنا، لقد امتد إلى الطبيعة، والى القبائل والدول والإمبراطوريات، وكلّ منها متأسس على يد فرد، لذا يبدأ الأمر من واحد.

إن ما نواجهه في مجتمعاتنا المؤسسية يتحمل هذا الصراع حتمًا، يحاول أحدهم اعتلاء منصب الآخر، ويستطيع الواحد منا تفسيره بالأمر الطبيعي حيث نحاول جميعًا الوصول لأعلى درجات الرّفاهية النفسية والمادية، لكن ماذا لو كانت الرفاهية النفسية حب ذات متسلط يحاول إرضاء أنانيةً على حساب إلغاء الآخر؟ ما المصطلح الذي يتوجّب علينا إطلاقه حينها؟ وهل تستمر اللعبة شريفة بمحاورها وأسسها؟

الرفاهية النّفسية هي ما يناله الفرد منا من مديح الناس وحبهم، ويكون الأمر مُفردًا عن الرفاهية المادية حين يكون العمل تطوعًا، لذا لا وصف هُنا – وأرجو أن أكون مُنصفة – إلا الأنانية أو الرياء، تجدر الاشارة أننا دائمًا نحاول التعامل مع الجنس الآخر في أي نطاق عمل، وذلك لأن نشوء هذه الصراعات تكون أقل وطأة، فلا تضع المرأة نفسها موضع مقارنة مع أخرى، ولا يضع الرجل نفسه موضع مقارنة مع آخر، وبالتالي فإن معطيات التفوق أقل صراعًا، ومهما نشأ صراع فهو أقل ضررًا، الحقيقة المؤلمة حين يبدأ أحدهم من الصفر، وتبدأ أنت بإغداقه بالمعلومات، وبتعبيد الطريق إليه، ومن فرط تركيزك على الهدف، تُعبّد له الجبل، وحين يصل القمة يبدأ الشرر.

الكل يحبك حتى تصبح منافسًا له.

في الحقيقة لستُ أفهم مثلًا كيف يتم تحويل عمل جماعي نحو هدف جماعي إلى صراعات فرديّة؟ هل حقًا استلام سلطة أو زيادة المهارات أو القدرات يُظهر جانبًا آخر للنفس البشرية مُخالف تمامًا للوجه السّمح الذي كان سابقًا؟ يبدو الأمر كمن كان مُجردًّا من سلاحه، فالتجأ إلى العطف، ثم حين تأبّط سكينًا بدأ بتجريح الآخر. لكن ماذا لو استطعنا التصرف بذكاء لنستطيع الاستمرار في المكان دون فرط تعب أو أنانية؟

السماح للأشياء بأن تكون.

إنّه الخيار الأفضل على الإطلاق إذا أخذناه بذكاء، وهي محاولة مديح هذا الشخص وإظهاره بالمظهر الذي وصل إليه من حُسن دون تفريط، محاولة إعطائه ما يريد من انتباه، السماح له بتولي جزء من المسؤولية ضمن مجموعة أشخاص يتولوّن مجموعة مسؤوليات، السماح له بأن يكون صاحب مسؤولية، ومديحك له تحديدًا أمام الآخرين قد يخفف وطأة الشرر بينكما، ويعيد للمودة مكانًا ويعيد للنفس ضبطها.

الفكرة تكمن ألا تضع نفسك موضع مقارنة، أن تؤمن: لا أحد يستطيع أن يكون أنت، أو يحل مكانك.

من منطلق موضوعي يعد صراع البقاء ضرورة حتمية لتطور المجتمعات إذا أنصفناه لننافس على الجهود، لا على الأشخاص، لا على المديح، أو صفّ من العبارات المنمقة.

إن صراع البقاء ذو حدين: حدّ يسّن النجاح والتطور والارتقاء، وحدّ يسنّ الضغينة والفشل وفقدان معنى الأشياء.

كن أنت، دعك من تسلق الآخرين، وامنح الأشياء موضعها عالمًا موضعك طامحًا مجتهدًا، اجعله صراع بقاءٍ لا ينبت بينك وبين شقوق الآخرين إلا الياسمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد