يقف مستقبل  أكثر من 24 ألف طالب وطالبة في جامعة الأقصى على المحك؛ بحكم استفحال الأزمة التي تعاني منها الجامعة، والتي تعد الجامعة الحكومية الوحيدة في قطاع غزة.

إن تصنيف الجامعة كجامعة حكومية جعلها ميداناً للصراع بين طرفي الانقسام، اللذين تنافسا لأغراض فرض السيطرة والهيمنة عليها, مما أدى إلى وقوع الجامعة في العديد من الأزمات التي هددت مسيرتها التعليمية، وقد كانت حصيلة هذه الأزمات توقيعَ العديد من الاتفاقات بين الطرفين حول إدارة الجامعة، كان آخرها الاتفاقيةَ التي نصت على تعيين مجلس أمناء ومجلس جامعة بنظام التوافق.

وفي هذا الإطار سنحاول الإجابة على سؤالين: لماذا عادت الأزمة إلى الظهور على السطح بهذه القوة؟ وما هو موقف الكتل الطلابية منها؟

 

أولا: ما هي الأزمة الحاصلة؟

إن الأزمة التي أعادت جامعة الأقصى إلى دائرة الضوء من جديد  جاءت على إثر استقالة الدكتور علي أبو زهري  من رئاسة الجامعة؛ بسبب تدخل الوزارة في غزة، الذي حدَّ من صلاحيته كرئيس للجامعة، كما أوضح لاحقاً،وقد ردت الوزارة في غزة على هذه الاستقالة بتعيين الدكتور محمد رضوان كقائم بأعمال رئيس الجامعة؛ كونه أقدم النواب في مجلسها.

غير أن الحكومة في رام الله تجاهلت هذا القرار، وقامت بتعيين الدكتور عبد السلام أبو زايدة, وقد تزامنت هذه الإشكالية مع قيام الحكومة في رام الله بتجميد رواتب ومخصصات عدد من الأكاديميين والعاملين في الجامعة, مما أدى إلى تفاقم الأزمة، وعلى إثر ذلك قدمت نقابة العاملين في الجامعة استقالتها، مع العلم بأن النقابة تشكلت أيضاً بالتوافق بين كافة الأطراف.

وجاء قرار الوزارة في رام الله بإعفاء الطلبة من الرسوم الدراسية في الفصل المقبل ليشكل الفصل الأهم في هذه الأزمة؛ فقد صرحت الوزارة في غزة بعدم استلامها قرارا مثل هذا من قبل, وأن إعفاء الطلبة من دفع الرسوم  الدراسية يكون مقبولا في حال قامت الحكومة في رام الله بتوفير الموازنة التشغيلية للجامعة التي تعتمد على الرسوم التي يدفعها الطلبة لتغطية نفقاتها, فيما أكد الدكتور كمال الشرافي رئيس مجلس الأمناء استلامه القرار من الوزارة في رام الله, يذكر أن الوزارة في رام الله قد أوقفت عمل صندوق إقراض الطالب الفلسطيني لطلبة جامعة الأقصى مؤخرا.

 

ثانيا: ما هو موقف الكتل الطلابية من الأزمة الحاصلة؟

أكدت  الكتلة الإسلامية – الإطار الطلابي لحركة حماس ـ في منشور على صفحتها الرسمية على الفيسبوك “أنها مع كل قرار يخفف عن طلبتنا ويعزز من مشوارهم بعيدا عن الدخول في مناكفات سياسية قد تأتي بالوبال والخراب على مسيرتنا التعليمية وانهيار جامعتنا، داعين لمثل هذه القرارات في كل جامعاتنا وكلياتنا الحكومية، وإلى تنسيق الجهود وعدم السير في طريق تعزيز الانقسام في كل مجالات حياتنا”.

ويأتي هذا التصريح في إطار سعي الكتلة للوقوف في منطقة ضبابية, فهي من جانب لا ترغب في خسارة الحاضنة الطلابية،بوضع نفسها في مواجهة مطلب ذي تأييد واسع من قبل الطلبة مثل إعفاء الرسوم, ومن جانب آخر تعمل الكتلة الإسلامية على مجاراة مواقف حركة حماس, والعمل قدر المستطاع على الحفاظ على وجودها في الوسط الطلابي وعدم خسارة أسهمها في هذا الوسط.

أما الشبيبة الفتحاوية فقد عبرت عن تأييدها لقرار الإعفاء من الرسوم، ونظمت مسيرة طلابية شارك فيها العشرات من الطلاب دعماً لتنفيذ القرار، ويأتي تحرك الشبيبة الفتحاوية الداعم للقرار في ضوء الموقف الرسمي لحركة فتح؛ لكن فرص قيام الشبيبة الفتحاوية بحراك ضد إدارة الجامعة الحالية ما زالت ضعيفة, لعدد من الاعتبارات؛ لعل أهمها ضعف وتشتت الإطار الطلابي لحركة فتح, حيث تعاني الشبيبة الفتحاوية من انقسام داخل إطارها العام بين  أنصار محمود عباس ومحمد دحلان, بالإضافة إلى أن تحرك الشبيبة الفتحاوية سوف يعمل على انقسام الحراك الطلابي.

أما فيما يتعلق بموقف الرابطة الاسلامية – الإطار الطلابي التابع لحركة الجهاد الاسلامي –  فقد عبر عنه الأستاذ عرفات أبو زايدة :”فهي تؤيد قرار الوزارة في رام الله بإعفاء الطلاب من دفع الرسوم, لكنها ترفض أن يأتي ذلك في سياق المنكافات الحزبية, كما ترفض كذلك قيام الجامعة بدفع تكاليفها التشغيلية من رسوم الطلبة.

وترى أن سبب الأزمة الحالية في الجامعة الاعتماد على مبدأ المحاصصة بين أطراف الانقسام في إدارة الجامعة, بالإضافة إلى غياب الشفافية المالية التي تسود الإدارة في الجامعة.
كما ترى أن غياب العمل الطلابي والنقابي في الجامعة ساهم في ضعف تفاعل الأطر الطلابية مع الحدث. كما أن غياب الاتحاد العام لطلبة جامعة الأقصى ساهم في تفاقم الأزمة, فلو وجد الاتحاد العام لطلبة الأقصى لما وصلت الأمور إلى هذه الحالة من تعطيل للجامعة وإضعافها, لأن 24 ألف طالب وطالبة لهم الحق في وجود اتحاد طلابي جامع لهم”.

وفيما يتعلق باتخاذ أية خطوات تصعيدية في الأيام المقبلة, أكدت الرابطة على تحرك الأطر الطلابية في اتجاه حل الأزمة من خلال تقديم ورقة في البداية، بالإضافة إلى إمكانية القيام بخطوات تصعيدية في الأيام المقبلة.

وتجدر الإِشارة إلى أنه لا يمكن الحديث عن دور للرابطة الإسلامية بمعزل عن توجهات حركة الجهاد الاسلامي الأم, حيث تحاول حركة الجهاد قدر المستطاع الحفاظ على علاقة جيدة مع حركة حماس بالإضافة الى رغبة حركة الجهاد الإسلامي في القيام بدور الوسيط في هذه الأزمة.

أما  جبهة العمل الطلابي التقدمية – الإطار الطلابي للجبهة الشعبية –  فقد عبرت  في بيان لها عن تأييدها للقرار: حيث “أكدت جبهة العمل الطلابي على أنها ستجري اتصالات عاجلة مع جميع الأطر الطلابية من أجل مناقشة تفاصيل وتداعيات هذه الخطوة، لتجسيد القرار فعلاً على أرض الواقع، ويكون بمثابة خطوة ثابتة يتم تعميمها على جميع الجامعات وفي كل الفصول، وبما لا يؤثر الخلاف على الاستقرار في الجامعة، وعلى وضع العاملين فيها من خلال ضغط الأطر الطلابية وفق رؤية متكاملة تطرحها على الجميع.”

ودعت جبهة العمل وزارة التربية والتعليم والحكومة الفلسطينية لضرورة العمل على التخفيف من معاناة أبناء شعبنا في قطاع غزة من خلال العمل على توفير فرص عمل للشباب، وتوفير مقومات أكبر لتدعيم صمودهم في مواجهة الفقر والبطالة.

ويأتي القرار متسقاً مع مبادئ وشعارات جبهة العمل الطلابي التقدمية التي تنادي بمجانية التعليم وإتاحته لكافة الفئات المجتمعية, فجبهة العمل من خلال موقفها هذا تحاول قدر المستطاع اكتساب مساحاتٍ جديدة داخل الوسط الطلابي, من خلال العمل وفقاً لمبادئها ورؤاها, لكن السؤال الأهم  المطروح حالياً: هل ستقدم جبهة العمل على القيام  بخطوات تصعيدية في الأيام المقبلة, خاصة في ظل اشتداد الأزمة وتفاقمها؟

وفقا لمؤشرات واقعية، فإن جبهة العمل محكومة في توجهاتها وقراراتها بتوجهات الفصيل الأم, فلا يمكن فصل موقف جبهة العمل عن موقف الجبهة الشعبية التي تتجه الى أخذ دور الوسيط الساعي لإيجاد حل للازمة؛ لذا فإن أي حراك طلابي تأخذ فيه جبهة العمل الدور الطليعي يجب أن يؤخذ ذلك بالاعتبار.

وكما جبهة العمل، فقد رحبت كتلة الوحدة الطلابية -الإطار الطلابي للجبهة الديمقراطية- بقرار وزارة التربية والتعليم العالي الذي يعفي طلبة جامعة الأقصى من الرسوم الدراسية للفصل الدراسي الثاني من العام الدراسي 2015/2016م .

ويأتي موقف كتلة الوحدة الطلابية في ضوء مجاراة المناخ الطلابي داخل الجامعة.

ونكرر ذات السؤال: هلستقود كتلة الوحدة الطلابية أي حراك طلابي في مواجهة الإدارة ؟

إن هذا الأمر متوقفٌ على قدرة الإطار على التحرك في حال حدوث أي تعثر, لكن قدرات الإطار الضعيفة وإمكانيتها المحدودة تجعل من إمكانية تحركه صعبة للغاية، بالإضافة إلى الاعتبارات الفصائلية التي تعيق تحركه.

وفيما يتعلق بباقي الأطر الطلابية, فإنها تفتقر للوجود الحقيقي داخل أسوار الجامعة وبين طلابها, الأمر الذي يجعل من إمكانية تحركه صعباً للغاية.

إن الحركة الطلابية في جامعة الأقصى تعاني من أزمة حقيقة تمس وجودها, بدأت هذه الأزمة بغياب الجسم الطلابي الحقيقي الجامع للكل الطلابي؛ إذ انتخابات اتحاد الطلبة لم تجر منذ فترة طويلة, وصولاً إلى سيطرة إدارة الجامعة على العمل الطلابي وتدجينه, في ظل غياب أي دور ضاغط من قبل الأطر الطلابية في الجامعة باتجاه تفعيل مجلس اتحاد الطلبة أو تفعيل الحالة الطلابية بشكل عام.

لذا فإن الحديث عن أي حراك طلابي لا يكون بمعزل عن أي حراك سياسي من الفصائل الفلسطينية, فالأطر الطلابية لا تملك من أمرها شيئا, ومردُّ الأمر إلى الفصائل الفلسطينية.

 

الحركة الطلابية ومستقبل الأزمة:

إن الأزمة التي تهدد مستقبل أكثر من 24 ألف طالب وطالبة في جامعة الأقصى هي في جوهرها أزمة سياسية، يتحمل مسئوليتها طرفا الانقسام الفلسطيني, فالأزمة إذن تشكل امتدادا للحالة العامة، لذا؛ سيبقى دور الحركة الطلابية في هذه الأزمة مرتبطا بموقف الفصائل الفلسطينية.

بناءً على ما سبق، فإن دور وعمل الأطر الطلابية في هذه الأزمة يقتصر على العمل غير الجاد الذي يسعى فقط إلى البقاء في الصورة والحفاظ على ماء الوجه أمام جموع الطلبة, دون أن يتحول ذلك إلى حراك طلابي حقيقي يؤثر في الحالة الطلابية؛ وذلك يرجع بالدرجة الأساسية إلى طبيعة العلاقة ما بين الأطر الطلابية وفصائلها.

وباختصار: فإن مستقبل الأزمة في يد السياسيين وحدهم، دون أن تكون هناك آمال حقيقية معلقة على الحراك الطلابي الفاعل.

 

 

الخلاصة:

إن الأزمة التي تمر بها جامعة الأقصى هي أزمة سياسية بامتياز, ولا تحل إلا بحل سياسي. من خلال توافر الإرادة السياسية لذلك؛ وفي ظل هذه الأزمة تعاني الأطر الطلابية في قطاع غزة من سيطرة الفصائل والتنظيمات وهيمنتها عليها, وبالتالي فلا يمكن الحديث عن دور مستقل لهذه الأطر بعيدا عن توجهات هذه الفصائل. كما  تعاني الأطر الطلابية في جامعة الأقصى من غياب جسمها التمثيلي, حيث تدار الحالة الطلابية الآن من قبل عمادة شئون الطلبة في الجامعة.

ومما يزيد الأمور تعقيداً على الأطرالطلابية أنها تدخل هذه الأزمة في ظل خلافات عميقة بين مكوناتها؛ لذا فمن المتوقع أن لا تستطع الأطر الطلابية بصورتها الراهنة إحداث أي تأثير في الأزمة؛ بالإضافة إلى افتقادها إلى البوصلة الواضحة, حيث إن الأطر الطلابية وضعت في حقل ملغم سياسيا, فهي تتوخي عدم إغضاب أحد من الأطراف.

 

لكن ما المطلوب من الأطر الطلابية عمله ؟

  1. ضرورة اجتماع الأطر الطلابية على برنامج الحد الأدنى الذي يحقق عنصر التوافق؛ بحيث تدخل هذه الأطر في الأزمة متحدة الصف قادرة على التأثير.
  2. ابتعاد الأطر الطلابية عن المهمات الكبرى؛ فليس المطلوب من الأطر الطلابية الآن حل كافة أزمات جامعة الأقصى ـ فالأزمة بصورة أو بما سوف تحل سياسيا, قلما أحد يرغب برؤية 24 الف طالب وطالبة في الشارع – والتركيز بدلا من ذلك تحقيق المكاسب المتعلقة بالعمل الطلابي, مثل الحصول على الحق بالتشكيل جسم طلابي بدلا من إدارة الحالة الطلابية من قبل شئون الطلبة في الجامعة .
  3. العمل على إعادة كسب ثقة الطالب في الأطرالطلابية في جامعة الأقصى, وفي مختلف الجامعات, فغياب العمل النقابي والطلابي في جامعة الأقصى لفترة طويلة ولد شعورا لدى الطالب بعدم أهمية الأطر الطلابية في الحياة الجامعية، وخاصة في ظل انتقال آفات الحقل السياسي العام لها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد