التمهيد

تبدو الحركة الطلابية بالجامعة التونسية من أهم البحوث الهامة، ليس للمؤرخين فقط، بل لكل المشتغلين في ميداني العلوم السياسية والإنسانية.

تعتبر الحركة الطلابية خلال الفترة المعاصرة من أهم المسائل التي جلبت انتباه المؤرخين المختصين في تاريخ تونس المعاصر.

سنحاول في هذا المقال تسليط الضوء على ظروف نشأة هذه الحركة. كما سنهتم في نفس الوقت بإبراز دوافع تأسيس بعض المنظمات الطلابية في الوسط الجامعي خاصة بعد حصول البلاد على استقلالها وتحررها من الاستعمار.

ونتطرق في ما بعد إلى معالجة الأزمة الهيكلية للحركة الطلابية التونسية وعلاقتها بالسلطة السياسية بعد الاستقلال. هل أن هذه الحركة هي حركة معارضة مستقلة بذاتها عن السلطة الحاكمة أم أنها حركة في تبعية للسطة؟

1- الاتحاد العام لطلبة تونس: حركة معارضة أواخر الفترة الاستعمارية 

تزامن تأسيس منظمة الاتحاد العام لطلبة تونس مع تصاعد حركة المقاومة المسلحة التي اندلعت يوم 18 يناير 1952 ضد الاستعمار الفرنسي.

وعلى هذا النحو تجدر الإشارة في هذا الإطار أن تصعيد النضال ضد السطة الاستعمارية لم يقتصر فقط على المقاومة المسلحة، بل شمل كذلك كل مكونات المجتمع التونسي بما ذلك الطلبة ونعني مشاركة الطلبة التونسيين في مقاومة الاستعمار، حيث تأسست خلال هذه السنوات منظمة طلابية مهمتها توعية وتسيير تحركات التلاميذ والطلبة ضد السلط الاستعمارية طوال فترة الخمسينيات بهدف الظفر بالاستقلال.

دوافع تأسيس اتحاد طلبة تونس

ذكر الأستاذ «عادل بن يوسف» في كتابه النخب العصرية التونسية 1880- 1956 طلبة الجامعات الفرنسية نموذجًا غياب وثائق تاريخية تتعلق بمسألة ظهور هاته المنظمة، وقد فسر ذلك بإتلاف السلطة السياسية التونسية لأرشيف الاتحاد العام لطلبة تونس.

غير أن غياب هذا الأرشيف لا يمنعنا من الخوض في ظروف انعقاد مؤتمرها التأسيسي الذي أقيم بفرنسا.

وهنا تجدر الاشارة أن مؤسسي هذه المنظمة هم طلبة الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد الذي وقع تأسيسه في مطلع الثلاثينات اي سنة 1934 بعد انعقاد مؤتمر قصر هلال.

وهكذا يتبين لنا ارتباط المنظمة ارتباطًا وثيقًا بالحزب وقد استمر هذا الارتباط إلى ما بعد الاستقلال، حيث تقلد  بعض قيادات هاته النقابة مناصب سياسية في العهد البورقيبي، ومن أبرزهم محمد الصياح الذي كان الأمين العام لهذا الاتحاد سنة 1962.

لم يكن تأسيس منظمة «الاتحاد العام لطلبة تونس» علنيًا في البداية وذلك خوفا من اعتقالات السلطة الاستعمارية. وتذكر معظم الشهادات الشفوية أن تاريخ تأسيسها في السرية يعود إلى فبراير 1952 وقد ضمت آنذاك كل التلاميذ والطلبة تحت اسم «الاتحاد العام لتلاميذ وطلبة تونس».

شن هذا الاتحاد غداة ظهوره عدة اضرابات ويعود أول اضراب خاضه إلى يوم 16 مارس 1952 بكل المعاهد الثانوية وذلك ردًا على تضييقات السلط الاستعمارية الفرنسية.

وعلى هذا النحو، يفهم مما تقدم أن تأسيس المنظمة الطلابية الجديدة مثلت أداة ضغط إضافية ضد الاستعمار الفرنسي.

كما انعقد أول مؤتمر علني لاتحاد طلبة تونس في فرنسا وأشرف على إعداده الطبة الدستوريون الذين يتابعون دراستهم بالجامعات الفرنسية. وكان تاريخ انعقاد هذا المؤتمر العلني يوم 10 يوليو 1953 بحضور كل الطلبة التونسيين المقيمن بفرنسا. وحضور لهذا المؤتمر وفودا عن طلبة الأقطار المغاربية (المغرب – الجزائر..)

ولكن بقي تمويل انعقاد المؤتمر بباريس يشكو من بعض الغموض اذ يرجح أن يكون تمويله إما من طرف قادة الحزب الحر الدستوري الجديد نظرًا إلى طبيعة العلاقة التي تربط الزعيم الحبيب بورقيبة بالطبة المقيمين سواء في تونس أو في فرنسا خصوصًا.

2- علاقة المنظمات الطلابية بالسلطة بعد الاستقلال.. تبعية أم استقلالية 

بادئ ذي بدئ تجدر الإشارة أن الطلبة الدستوريين هم المؤسسون الفعليون لأول منظمة طلابية في تونس خصوصًا وأن الحزب الحر الدستوري الجديد ظل المهين على الساحة السياسية في تونس بعد الاستقلال وعقد الاتحاد العام لطلبة تونس بعد الاستقلال عدة مؤتمرات وتولى منصب الأمانة العامة كل من السادة الطاهر بلخوجة والمنجي الكعلي ومحمد الصياح وسليم علولو.

وقد تقلد هؤلاء الأمناء العامين عدة حقائب وزارية في فترة حكم الزعيم الحبيب بورقيبة.

واستنادًا إلى قائمة الأمناء العامين يفهم أن العلاقة التي سادت هاته النقابة والسلطة السياسية هي علاقة تبعية المنظمة الطلابية ولم تتسم هذه العلاقة بالتوتر والصراع مع السلطة الحاكمة إلى حدود السبعينيات. فقد ظل طلبة الحزب الحر الدستوري هم الطرف المهيمن على النقابة الطلابية.

وكما مثلت  أواسط وأواخر الثمانينيات ميلاد منظمتين جديدتين في الجامعة التونسية وتسمى الأولى الاتحاد العام التونسي للطلبة تضم الطلبة الإسلاميين وقع تأسيسها سنة 1985 في حين تسمى الثانية منظمة طلبة التجمع الدستوري الديمقراطي أو «طلائع الحزب العتيد».

تميزت علاقة المنظمة الأولى في بداية تأسيسها بالتبعية للسلطة واحتدت علاقتها بالسلطة في السنوات الأولى من التسعينيات، حيث وقع حل هذه المنظمة بعدة تهم أبرزها التأمر على الأمن العام.

بينما بقيت الثانية في تبعية للسلطة إلى تاريخ حلها سنة 2011.

3- حركة 5 فيفري 1972.. أزمة هيكلية مستمرة داخل صفوف الحركة الطلابية

سبق حركة 5 فيفري (فبراير) توتر العلاقة بين الطلبة المعارضين وطلبة الحزب الحاكم، حيث طالب الشق المعارض للسلطة داخل منظمة الاتحاد العام لطلبة تونس بضرورة استقلالية المنظمة عن السلطة. بينما تمسك الطلبة الدستوريون بتبعية المنظمة للسلطة الحاكمة.

كان شق الطلبة المعارضين ينتمون للتيارات السياسية التي ظهرت حديثًا في الساحة السياسية آنذاك أي في مطلع السبعينيات وفي طليعة التيار اليساري الماركسي والتيار القومي العروبي.

وخلال انعقاد المؤتمر 17 في أغسطس 1971 رفض الطلبة الدستوريون الاستقلال عن السلطة، غير أن معظم المؤتمرين تمسكوا بضرورة استقلال المنظمة عن السلطة وأمضوا على عريضة ولم يعترفوا بالقيادة الجديدة للاتحاد المنبثقة عن المؤتمر ووقع طرد الطلبة الدستوريين من هذه المنظمة وبقي الهياكل المؤقتة تسير هاته المنظمة إلى حدود 1988 غير أن الأزمة الهيكلية استمرت بعد انعقاد المؤتمر 18 حيث لم تعترف بعض مكونات اليسار التونسي بالقيادة المنبثقة عن المؤتمر 18 ويعود إلى عدة أسباب وفي مقدمتها الاختلاف الأيديولوجي بين مكونات منظمة الاتحاد العام لطلبة تونس ولم يقع تجاوز هاته الأزمة إلى حدود آخر مؤتمر لها سنة 2017.

الخاتمة

بصفة عامة لعبت الحركة الطلابية دورًا معتبرًا في مقاومة الاستعمار، غير أن العلاقة بين الحركات والسلطة السياسية تراوحت بين التبعية حينًا وبين الاستقلالية في بعض الأحيان. كما بقيت المنظمات الطلابية غير مستقلة عن الأحزاب السياسية وهو الأمر الذي جعلها تعيش أزمة هيكلية مسترة غير قادرة على تجاوزها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد