جلست أمام الشاشة أتأمل لقاء السيسي بالشباب، حيث مجموعة مختارة من الشباب، ورأيت مبالغتهم في الاحتفاء والتفاعل مع كل ما يقوله، فعادت بي الذاكرة 15 سنة بالضبط، حيث كان هناك لقاء مماثل بين الرئيس مبارك وطلبة الجامعات في أواخر يوليو (تموز) 2003، وكانت فيه مبالغات مماثلة.
وقتها كنت بدأت أنشر بصفة مستمرة في صفحة (آراء حرة) في جريدة الوفد، وكان المشرف عليها وقتها الأستاذ سليمان جوده، وكنت معتادًا أن أرسل له المقالات بالفاكس ثم أتصل به للتأكد من وصولها بصورة جيدة، ثم أجدها منشورة بعدها بيومين أو ثلاثة، وحتى وقتها فجميع المقالات التي أرسلتها قد نشرت (ربما باستثناء واحدة).
وكان أن أرسلت للأستاذ سليمان جوده المقالة التالية تعليقًا على لقاء الرئيس مبارك بطلاب الجامعة:
حتى أنتم يا طلاب الجامعة؟!
جميل أن يحتفي معسكر طلاب الجامعات بزيارة الرئيس مبارك، بل هو طبيعي في ظل حرص الرئيس السنوي على الاجتماع بالطلاب مما يدل على الاهتمام بالحركة الطلابية، ولا بأس أيضًا أن يحيي بعض الطلاب الرئيس بكلمات رقيقة تعبر عن مشاعرهم الطيبة تجاه رئيس البلاد، إلى هنا والصورة لا غبار عليها، لكن الملاحظ منذ عدة سنوات أن هذا الاحتفاء من قبل الطلاب أصبح يتخذ صورًا مبالغًا فيها، وأن الكثير من الكلمات التي يلقيها بعضهم في حضور الرئيس تحمل الكثير من المديح والثناء الذي يقترب من مرحلة التملق، إن لم يكن قد اجتاز تلك المرحلة فعلًا!
هذه الظاهرة تعطينا مؤشرات خطيرة على الحالة الأخلاقية للمجتمع، وهي ظاهرة متعددة الأبعاد ولا بد أن تدرس بعناية، ولا شك أن الشاب في عصرنا الحالي خاصة طالب الجامعة يرى الصورة قاتمة حتى قبل أن يصطدم بعقبات الحياة خارج الجامعة، فهو يرى أن ما يقال عن أزهى عصور الديمقراطية مجرد شعارات يعلم حقيقتها من خلال التزوير السنوي لانتخابات اتحاد الطلاب، وفي الوقت ذاته يرى معيار الحظوة والارتقاء في المجتمع يعتمد على عوامل آخرها الكفاءة، إذ يأتي قبلها العلاقات والنفاق والتملق وغيرها، ويرى أهل التملق وقد تبوؤوا معظم المناصب العليا، فيستقر في أعماقه أن تملق الرؤساء هو السبيل إلى الارتقاء، وهذا التصور الذي تسلل إلى طلاب الجامعة من أخطر الأمراض على الأمة، لأن طلاب الجامعة بطبيعتهم هم الطائقة الأنقى في المجتمع، هم الشباب البريء ذو الطموحات المثالية، الذي لم يدخل إلى معترك الحياة فلم تلوثه الأطماع والأهواء بعد، ولم تستذله لقمة العيش بعد، وهكذا فان ظهور قيم التملق وانحدار قيم عزة النفس والرأى الحر عند بعض طلاب الجامعة يعد اختراقًا لخط الدفاع الأخير عن قيم المجتمع.
ومما يؤيد أن ما نراه في تلك اللقاءات مع الرئيس، هي ظاهرة خطيرة جديرة بالوقوف عندها، أن الجامعة ظلت طوال تاريخها هي أكبر معقل للمعارضة، وذلك لما ذكرته من نقاء سريرة الطلاب وتوجهاتهم المثالية وقلة ضغوط الحياة عليهم، فطلاب الجامعة هم أول من واجه الإنجليز بصدور مكشوفة، وهم الذين تصدوا لحكومات الأقلية قبل الثورة، وهم أول من هتف بسقوط الملك وقت أن كان الوزراء والكبراء يقبلون يده، وهم الفئة الوحيدة التي قالت لا لعبد الناصر عام 1968، وأكبر فئة قالت لا للسادات عام 1972 و1977، وهم أكبر فئة تقول لا للهيمنة الامريكية على المنطقة، وتشق هتافاتها عنان السماء في جامعات القاهرة وعين شمس والإسكندرية، لا تخشى في الحق لومة لائم.

 فأين كل هذا التاريخ الطويل من النضال وعزة النفس والمعارضة مما نسمعه في لقاءات الرئيس بطلاب الجامعة من التأييد الكامل الشامل المشفع بعبارات الثناء الكبيرة والأشعار المبالغ فيها؟ وأين مشاكل الشباب التي تستولي على اهتماماتهم من الأسئلة التي توجه إلى الرئيس والتي أكثرها يركز علي سياسة مصر الخارجية؟! ألا يشغل بال هذا الشباب من مشاكل جيله إلا السؤال عن السياسة الخارجية كأن هموم الشباب ومشاكله لم تعد الاهتمام الأساسي، وكأن الأوضاع الداخلية ممتازة! ألا يدل ذلك على أن الأسئلة معدة سلفًا من قبل المشرفين على اللقاء، ألا يدل عدم وجود طلاب معارضين وسط هؤلاء الطلاب وعدم وجود طالب واحد يحدث الرئيس فيما يتحدث فيه آلاف الطلاب في ساحة الجامعة عن أحوالهم داخل الجامعة وأحوال المجتمع خارجها على أن المجموعة التي تقابل الرئيس هي مجموعة منتقاة، مجموعة لا تعبر بالتأكيد عن طلاب الجامعة ولا تنقل بأمانة ما يجيش في صدورهم إلى مسامع الرئيس.

إن حشد مجموعة منتقاة من الطلاب من ذوي التوجيهات المؤيدة والألسنة المبالغة في المجاملة مع اختيار الأسئلة المطروحة مسبقًا يشبه إلى حد كبير عملية سفلتة الشوارع قبل مرور موكب سيادة الرئيس ومداراة ما بها من عيوب ومطبات، ولذلك أتمنى أن يتيح الرئيس الفرصة لمقابلة القاعدة الحقيقية العريضة من أبنائه من طلاب الجامعة للاستماع إليهم، وأتمنى أن يكون ذلك في الجامعة نفسها، ليت الرئيس يدخل إلي أحد مدرجات الجامعة ليدير بنفسه حوارًا داخل هذا المدرج، إذ لا شك أنها ستكون عينة عشوائية واقعية من طلاب الجامعة بكل ما تحمله قلوبهم من آمال وآلام وما تموج به عقولهم من هواجس وأفكار، ذلك هو اللقاء الحقيقي مع طلاب الجامعة، عندها ستقل كلمات المجاملة وأشعار الحب إلى المستوى المعقول، وستزيد كلمات الصراحة والأسئلة الهادفة إلى المستوى المطلوب.
عندما اتصلت بعدها بالأستاذ سليمان لأتأكد من وصول المقالة بصورة جيدة باردني بصوت بين الدهشة والإنكار قائلًا بالنص: «إيه اللي إنت باعتهولي ده يا باشمهندس؟!!، إنت فاكرنا نقدر ننشر الكلام ده؟!».
ورغم أن الوفد وقتها في 2003 كان ما زال به روح من الليبرالية، خاصة في الجريدة، خاصة في تلك الصفحة (آراء حرة)، والتي كانت بالفعل الأكثر تنوعًا وحرية في الصحافة المصرية وقتها، إلا أن الرجل لم يستطع النشر، بل واستبعد الفكرة أصلًا.

وها هو التاريخ يعيد نفسه، ولكن بصورة أكثر فجاجة وقبحًا بل ومسخًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد