في نهاية كل موسم دراسي، ومع خروج نتائج التلاميذ – خصوصًا تلاميذ المراحل الإشهادية- تجتاح المجتمع المغربي نوبة من الهستيريا المرتبطة بمعدلات التلاميذ، إذ تبدأ أشكال من الاستعراض السخيف، ومشاهد التفوق الزائف في الظهور والانتشار؛ تزامنًا مع فتح معسكرات الإعدام المعنوي لتلك الفئة التي لم يسعفها حظها – وليس ذكاؤها بالتأكيد- في الحصول على معدلات أو علامات عالية. فيتحول التلاميذ في هذا السياق المحتقن إلى أحصنة رهان تلهت على مدار العام لتأتي بنتيجة مرضية تخول حصد مكانة مزعومة داخل المجتمع في نهاية الموسم.

لسنا هنا بصدد نقد المدرسة من منطلق أناركي لا سلطوي، مع اعترافنا بوجاهة الأفكار التي طرحها رواد هذا الاتجاه الفلسفي وقيمتها «اقرأ مثلًا كتاب: مجتمع بلا مدارس لإيفان إليش» لكننا نريد أساسًا أن نصحح بعض التمثلات الخاطئة حول المدرسة أو العملية التعليمية؛ لأنه من غير المعقول أن تتحول نهاية كل موسم دراسي إلى يوم تشخص فيه الأبصار، وتذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، لا لشيء سوى أن المجتمع الذي تلبست به الأمية والتخلف قرر – ويا للمفارقة- أن يفرز ويصنف أبناءه حسب معدلاتهم المدرسية، فيمنح هذا صح النبوغ والتفوق، ويقرر وصم ذاك بالبلاهة والتخلف. إن الحقيقة التي لا ينبغي أن تخضع لأي جدال أو مماحكة تقول إن العلامات المرتفعة لا تعكس مطلقًا أي نبوغ أو عبقرية، بل تعني أن التلميذ استطاع القيام بكل ما طلب منه بكل تفان، وانضباط، وجدية، إلى الحد الذي اتخذ فيه المقرر المدرسي كتابًا مقدسًا يتلوه آناء الليل وأطراف النهار. لكن متى كان الانضباط وحسن تأدية الواجب مؤشرات دالة على الذكاء والعبقرية. الذكاء يعني خروجًا عن المألوف، العبقرية تضيق ذرعًا بالحدود المسبقة والأطر المنظمة، النبوغ أكبر وأرحب من أن يحتويه سقف مدرسة تبعث رتابة أجوائها على الضجر والملل.

في المقابل قد يعني في أحايين كثيرة الحصول على معدلات متدنية أن التلميذ ذو شخصية كسولة، فوضوية، ومتمردة، والكسل قيمة جديرة بالاحتفاء، خصوصًا في سياق الدور الوظيفي المنوط بالمدرسة كمؤسسة من مؤسسات إعادة الإنتاج «بيير بورديو». والكسول ليس شخصًا بليدًا أو أبله محدود الذكاء كما ترسخ في وعي الأجيال، إنه فقط شخص هادئ يفضل إنجاز واجباته بأقل قدر ممكن من المجهود، وقد يفوت حصصًا دراسية جبرًا لخاطر صديقه الذي ألح عليه ليرافقه في رحلة، أو مغامرة، أو مجرد مشوار، أما دفاتره وكراسته فتبدو كرقائق أو مخطوطات سريانية استسلمت لعوامل المناخ والزمن. وقد سعى كتاب ومفكرون إلى إعادة الاعتبار للكسل، لعل من أبرزهم الفيلسوف الإنجليزي الكبير برتراند راسل في كتابه «في مدح الكسل». أما التلميذ «المتفوق» فغالبًا ما يعيش حالة من الاستنفار تبدأ في اليوم الأول من الموسم الدراسي، وتتصاعد وتيرة استنزافه لجهده وطاقته مع اقتراب كل اختبار أو امتحان، لتشتغل كل خلية في جسمه بأقصى طاقتها. أليس هذا من الهدر الذي ينبغي أن يحذر منه الجميع أبناءهم؟ يقول الفيلسوف فريديرك نيتشه: «العمل الشاق من الصباح إلى الليل يلجم كل فرد، ويساهم بشكل قوي في إعاقة تطور العقل والرغبات وحس الاستقلال، ذلك أنه يستهلك قدرًا هائلًا من الطاقة العصبية، ويستثنيها من التفكير والتأمل والتخيل..»

حتى أبرهن لك بالملموس أن الذكاء والنبوغ الحقيقيين رهينان بانعتاقنا من خرافة العلامات المرتفعة، التي تصنع وهمًا متهافتًا بالتفوق، فأنا الآن أكتب مقالي هذا من برنامج وورد، وعلى الأرجح أنت تقرؤه من متصفح غوغل، إما في هاتفك أو جهاز حاسوب يعمل بنظام ويندوز، وقد تعلق عليه في صحفتي على موقع الفيسبوك، فهل تعرف أن مخترع نظام الويندوز وحزمة الميكروسوفت أوفيس، ومخترع غوغل ومؤسس الفيسبوك كلهم لم يكونوا من المتفوقين في دراستهم، وكلهم غادروا مقاعد الدراسة قبل المرحلة الجامعية. لقد كانوا عباقرة إلى الدرجة التي لم تسعهم فيها حجرات الدرس، وكان بإمكانهم أن يمضوا في مشوارهم التعليمي، لينالوا وظيفة مرموقة، وكانت البشرية ستخسر حينها الكثير، بل يكاد يكون المسار الدراسي المتعثر قاسمًا مشتركًا بين جيل عظماء القرن العشرين والواحد والعشرين، بمن فيهم ثلاثة على الأقل من أدباء نوبل.انظر كتاب «عظماء بلا مدارس» لعبد الله صالح الجمعة.

يتفق الجميع، بمن فيهم الأوصياء على القطاع، على أن المنظومة التعليمية في المغرب منظومة معطوبة، وأن مشاريع إصلاحها لم تحقق أهدافها المرجوة، وأن مشكلة التعليم في المغرب أكبر من أن تحلها المذكرات الوزارية، والبرامج والمخططات التي يعلن عنها بين فترة وأخرى. فإذا كانت هذه حال المدرسة المغربية، فلا أعتقد أن هضم مقرراتها وحصد علامات جيدة في حجراتها يمكن أن يكون أمرًا باعثًا على الفخر، والزهو، والامتلاء. وبالتالي لا أرى داعيًا لذلك الكرنفال السنوي السخيف، الذي يتوج فيه الوهم، ويشاد فيه بالعطب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد