أتذكر أول أيام دراستي بالجامعة – أول عام دراسي – بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، يوم حضرت إلى كليتي للمرة الأولى بابتسامة عريضة تحفها البراءة.

لم يكن يومًا مثاليًا فقد صادفت اعتصامًا لاتحاد الطلاب – كلية الحاسبات والمعلومات جامعة المنصورة – مطالبًا بإقالة عميدة الكلية لتورطها فى إهدار أحد طوابق الكلية لأحد المعاهد الخاصة. لم يرد الشهر الأول أن ينتهي عند هذا الحد دون أن يطلعني على وقفة أخرى لعدد من طلاب الفرقة الرابعة بالتزامن مع كليات الحاسبات والمعلومات بجامعات مصر احتجاجًا على عدم وجود نقابة مهنية لخريجي الكلية.

بالطبع تولد لدي انطباع سلبي لحظي عن الكلية والجامعة الذين اخترتهما ووفقني الله للدراسة بهما، لكن مع الوقت تطور انطباعي لتفكير أكثر إيجابية حول المشكلة وأبعادها ثم حول الجامعة بشكل عام.

****

صحيح ليست المرة الأولى أبدًا التي أسمع فيها هتافًا ولكنه كان مختلفًا هذه المرة فقد كان هتافًا طلابيًا، كان هذا الهتاف يخاطبني مرة ليعرفني ما أجهل وأخرى ليتحدث بما أريد .

لم أكن أعلم حينها أننى سأقود هتافًا مع وفد من زملائي من اتحاد طلاب الكلية وسط عشرات الآلاف من طلاب الجامعة في العام الذي تلاه تنديدًا بقتل زميلتي جهاد موسى – رحمها الله – دهسًا تحت سيارة إحدى عضوات هيئة التدريس.

لم أكن أدري أيضًا أن يومًا سأشارك بهتافي ذاته زملائي بالكلية إضرابهم الجزئي عن الدراسة العام الماضي تضامنًا مع زملاء لي فصلوا تعسفيًا من سكنهم الجامعي لانتماء سياسي.

****

كل يوم أتعلم من طلاب مصر، تعلمت من إضراب طلاب تجارة أسوان على سوء تصحيح الامتحانات وإقالتهم للعميد، تعلمت من تظاهرات جامعتي المنصورة والألمانية الواسعة احتجاجًا على دهس ذويهم ضحايا الإهمال.

تعلمت أيضًا من زملائي فى هندسة عين شمس والمنصورة والفيوم كيف يكون هناك إضراب كامل يخرج فيه كل طلاب الكلية ردًا للاعتبار على اقتحام مقار تعليمهم واعتقال عدد منهم جورًا وظلمًا ثم يجبروا السلطه على الإفراج عن محبوسيهم.

علمنى الطلاب أنهم فئة خاصة ومؤثرة لهم حقوقهم الخاصة التي لا تفاوض ولا انتقاص منها، علموني أنهم قد ينحسروا ويتراجعوا فترات لكن لا ينهزموا أبدًا مهما كان حجم التحدي المقابل، ولنا فى تاريخ الحركة الطلابية فى مصر – الذي شغفت بالاطلاع عليه لاحقًا – أكبر عظة وعبرة!

*****

قضيتنا سمعتها هتافًا فعرفتها ورددتها هاتفًا فحفظتها، قضيتنا الطلابية واضحة مهما تبدلت الأنظمة، قضيتنا قضية مستقبل وطن تائه لا يقبل طلابه – صانعوه الجدد – إلا النضال والتغيير ما حييوا.

إنها قضية تعليم مقرراته الدراسية متطورة ومتاحة، قضية سكن جامعي آدمي ورعاية صحية جيدة، قضية حرية فكر وتعبير وتنظيم لا تلغي اتحادات ولا تحل أسر ولا تمنع نشاطًا ولا تفصل طالبًا بسبب رأيه.

قضية لن ننشغل عنها مهما كانت الظروف المحيطة مثالية ولن نفتر عنها تحت وطأة الاستبداد السلطوي وتأميم المجال العام.
لطالما قالوا “البطولة أن تستيقظ في الليل لا أن تنام في النهار”!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد