ضمن محاولات تفعيل العمل الطلابي وخرطهم بالحياة السياسية في الجامعات الأردنية، تتنوع توجهات العديد من الطلبة في الميل لدعم القوائم والكتل الطلابية المختلفة التي قد تركز في أهدافها على جوانب خدماتية أو على التمسك بقضية محددة، أحد هذه القضايا التي تلقى قبولًا ورواجًا بين الطلاب هي القضية الفلسطينية نظرًا لتقارب الشعبين الفلسطيني والأردني الجغرافي والمعنوي، ولعدد اللاجئين الكبير الذين تحتضنهم أرض الأردن الشامخ ولأفكار البعض القومية التي ما زالت تدافع عن فلسطين وتعلنها حرة أبية.

ومما لحظته في محافل مختلفة، فإن الكتل التي تتخذ من فلسطين منهجًا لها ومن الجامعات منبرًا لرفد القضية الفلسطينية تسعى لتذكير الطلبة دائمًا بتاريخ الأرض المسلوبة ولتعريفهم بأحدث ما يحصل بالفلسطينيين في فلسطين نفسها أو حول العالم في ضوء انشغالهم بكثير من أحداث الساحة الإعلامية للوطن العربي المثكول، أو في ضوء تغييبهم المتعمد عن ما تعايشه فلسطين بعد أن أصبحت مآسيها أمرًا مألوفًا. كما وتعمل على إقامة المعارض والندوات وجلسات الحوار المتعلقة بأعلام القضية الفلسطينية، وشهدائها، وبطولات شعبها وإرثه العظيم.

في المقابل، تنتهج بعض القوائم أسلوب استذكار أو الدفاع عن فلسطين في محطات آنية مدروسة مستفيدةً ومستغلةً حجم القضية لتحقيق مصالح أخرى تتمثل إما في نيل دعم الطلاب المعنوي أو تحسين الصورة العامة أو كسب المزيد من الأصوات في الانتخابات الجامعية.

ويعد تنوع المعطيات هذا في التعامل مع قضية فلسطين أمرًا مهمًّا وجيدًا للطلبة القادرين على التمييز بين الغث والسمين في صورة مبسطة ومجتمع طلابي يعكس حياة سياسية وانتخابات وإيديولوجيات على مستوى أكبر وفي محافل على المستوى الدولي لا يلبث الطالب أن يواجهها بعد سنوات معدودة.

وتمامًا كما تتفاوت رغبة دعم الحكومة لأحزاب دون أخرى، تتفاوت رغبة الجامعات في دعم قوائم دون أخرى حسب توجهات الجامعة أو الكتل نفسها، الأمر الذي قد يُعلّم الطلبة المثابرة والنضال من أجل تمثيل قضية ما، أو قد يحبطهم ليتوقفوا عن السير في طريق المقاومة، أو ربما يحفزهم لفعل المزيد من أجل استعراض الحقائق في حال كانت الجامعة تدرك قيمة دعم العمل الطلابي المرتبط بفلسطين وتمنحه فرصًا موازية لأعمال طلابية أخرى مثل إتاحة القاعات، ومنح الموافقات، والاستجابة للطلبات، والتغطية الإعلامية، والدعم المادي والمعنوي.

وما بين من يحاول جاهدًا لتقديم ما يمليه عليه ضميره بشأن القضية كإنسان ومن ينتفع من القضية مروجًا لقضية أخرى، ما زالت تواجه هذه الأعمال باتهامات التجارة بالقضية من بعض الطلبة الذين يظنون أن استعراض القضية في بيئات تعليمية جامعية هو تجارة بحتة من أجل نيل مكاسب أخرى مادية أو معنوية أو منصبية. الغريب في هذا أن هؤلاء الطلبة الذين يهاجمون هذه الجهود الصادقة والمزيفة في أن غالبهم يرون البيئة الجامعية مرتبطة بالتعليم فقط وبتوفير الخدمات الذي يحتاجها الطالب مثل عقد حصص المراجعة، ودهن رصيف الكلية، وتوفير المقاعد، وتوزيع ملخصات المواد، أو حتى فتح شعبة ما في الجدول الدراسي عند بداية الفصل.

والأمر المضحك في هذا الواقع المرير هو أن بعض الطلبة الذين يتخذون من فلسطين وقضيتها مادةً لهم ـ بغض النظر عن هدفهم ـ قد يهاجمون طلبة آخرين يقومون بنفس الفكرة، وكأن فلسطين ـ للأسف ـ انتقلت لتصبح منتجًا يباع ويشترى وثمة منافسة تجارية بشأنه وسوق عرض وطلب حسب الأحداث وردود الفعل المتعلقة بها.

فئة أخرى من الطلبة تستقبل أعمال هذه القوائم بالتحقير، بل تحاول الحط من قيمة أي جهود مبذولة تحت قناعة أن فلسطين لا تتحرر إلا بالسلاح، وأن أجواء كهذه هي مجرد فوضى إعلامية لا تعود بالنفع على القضية وأهلها بمقدار ذرة. رامين بكل الأعمال الأدبية والفنية والمظاهر الثقافية والحضارية لفلسطين أدراج الرياح.

عمومًا إن واقع تمثيل فلسطين في الجامعات الأردنية على اختلافه ما زال يثبت أن القضية الفلسطينية، ورغم مرور ما يزيد على 70 عامًا تأبى الاندثار وأنه ثمة قلوب يافعة ما زالت تفني نفسها لتقول لأحدهم قصة باسل الأعرج أو سيرة دلال المغربي، لتغني يا ظريف الطول أو لتلقي قصيدة سجل أنا عربي على مسامع الحضور. الأهم من هذا هو أن لا يُشعرنا كل ما نقوم به بالاكتفاء وبلذة النصر، بل يجب عليه أن يعمق فينا شعور التقصير تجاه فلسطين المحتلة ويبث فينا روح العمل الدءوب من أجل المقاومة في سبيل تحريرها، دون أن تصبح فلسطين مجرد مادة للخطابات الزعامية كما ذكر غسان كنفاني في «أرض البرتقال الحزين»، ودون أن تكون مجرد أهازيج نرقص عليها في فعاليات وأيام دولية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد