-1-
“أول ما دخلنا واحنا متغميين قالي اقلع البنطلون، بس أنا اتعافيت عليه ومقلعتش، قام خبطني بالإلكتريك بين رجلي وكهربني، وقالي علشان تعرف يا (…..) أمك لو حاولت تكدب هيحصل فيك إيه؟”

 

– طالب مصري يحكي عن بداية التحقيق معه بأحد مقار الأمن الوطني.

 

في خطابه بجامعة القاهرة في بداية العام الدراسي الجامعي أكد السيسي- حسب نص الكلمة – أن “الدولة لم تستطع على مدار العقود الماضية توفير قنوات اتصال مع الشباب، وأغفلت حقهم في التأهيل والإعداد لقيادة الوطن” .

 

ويبدو أن الدولة تستدرك الآن ما أغفلته في تأهيل شباب مصر للقيادة، الخطة واضحة، سنبدأ بالاهتمام بالبنية التحتية، سنبدأ بالكهرباء ثم نتبعها بمد خط بارد من المياه، ولطالما فاجأنا من يحكمنا بأن استراتيجيته في التعامل مع الطلاب هي ببساطة “إديها ميه تديك طراوة”.

” إديها يا باشا، بكره تطرح اللي زرعته”.

-2-
“أكد الدكتور عبد الحي عزب، رئيس جامعة الأزهر، في مداخلة تليفونية مع قناة دريم أن إجمالي عدد الطلبة المفصولين من الجامعة منذ بداية العام الدراسي وصل إلى 63 طالبًا وطالبة، بعد فصل 5 طالبات اليوم من الجامعة بعد مشاركتهن في مظاهرة شملت ترديد ألفاظ مسيئة للجيش والشرطة، موضحًا أن قرار فصلهن خرج خلال ساعتين فقط”.

 

– خبر اعتيادي جدًّا في هذه الأيام في كافة جامعات مصر، لكن الجديد هنا أن الرجل يؤكد أننا فعلناها في ساعتين، وفقط، التوقيت في تحسن.

الجامعات المصرية تصرح بأنها تطرد من يُشتبه في حمله فكرًا متطرفـًا خارج جدرانها، تلقيه في الشارع كي لا يجد أمامه أي شيء يعطله عن التطرف، وهذا في اتفاقية ثنائية بين السلطة المصرية والدولة الإسلامية بالعراق والشام – وقريبًا في شمال أفريقيا- لسد طلبات قسم الموارد البشرية في “داعش” في تلقي مزيد من المتطوعين.

 

جيد، هذا هو مصير المتطرفين أو من يحملون بوادر للتطرف، ماذا عن السلميين؟

ما عادت تكفي السلمية، يجب أن تكون عف اللسان طيب القلب هادئ الحركة، أو قُل مشلولاً في بيتك لكي تصبح في مأمن من التحويل للتحقيق “الصوري” والفصل آتٍ لا محالة.

 

كنت مؤمنـًا بهذا حتى كفرت به بعد أن رأيت زملائي يحولون إلى التحقيق للمشاركة في تظاهرات هم لم يكونوا حينها في الجامعة أصلاً، لأنهم كانوا مُعتقلين قبلها بشهور!

-3-
“مصر الجديدة “.. دولةٌ تحترم الحقوق والحريات، تضمن العيش المشترك لمواطنيها دون إقصاء أو تمييز، دولةٌ تحترم وتفرض سلطةَ القانون الذي يستوي أمامَهُ الكافة، وتَضْمَنُ حريةَ الرأي للجميع”
– عبد الفتاح السيسي رئيس مصر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

فكرت كثيرًا في الطريقة المُثلى للتعبير عن الرأى دون أن يتم كهربتي أو سحلي أو فصلي أو حبسي، قاطعني خبر إلقاء القبض على طالب بحوزته “رواية لجورج أوريل” وآخر يرتدي دبوس يحمل جملة “انتصارك بكرة جاي”، ومن يومها وأنا أنتظر أن يصدر منشورًا ملكيًّا يضمن حرية شُرب الشاى بالحليب.

الدولة لا تريد لأحد أن يتظاهر، ولا أن يقرأ ولا أن يغني.
أعطوا لقيصر ما لقيصر وللإله ما للإله..
ماذا تبقى عنكم؟
لم يبق شيء!
فاهنأوا .. طوبى لكم.

-4-
“أنت إخوان، أنت متعاطف مع الإخوان، أنت كلامك يؤدي للتعاطف مع واحد واقف جنب واحد ابن عمه إخوان”.

 

– وائل الابراشى بتصرف، أثناء محاورته لأحد الطلاب الذي قرر أن يتجرأ ليتهم الداخلية بقتل الطلاب وهو مشفوع بالدليل وبالصوت والصورة.

وأنا دائمًا ما أرد بأننا لو قسمنا البشر لـ”إخوان ” و”ناس عاديين” وقرر المجتمع في هذه اللحظة أن هذه الدولة ضد حياة الصنف الأول، فجمعتهم ووضعتهم في أفران الغاز، وقتلتهم جميعًا رجالاً ونساءً وأطفالاً فلم يتبق منهم أحد، ستكونوا أكثر اتساقـًا مع أنفسكم، بدلاً من أن تبرروا قتل أي شخص واعتقال أي فرد وقمع أي صوت بأنهم منتمين بشكل ما للجماعة، وإن وجدتم هذه الفكرة سادية وعنصرية وغير إنسانية – وهو ما أعتقده – فتوقفوا إذن عن هذا وافعلوا ما تقولون، خصوصًا ما قاله السيسي أمام “الخواجات” في الأمم المتحدة، دعوا الجميع متساوون أمام القانون، دعونا نقل للطلاب إن حرية الرأي مكفولة طالما لم تُثر شغبًا ولم تعتدِ على منشأةٍ أو فرد، الأمر لا يتعلق برأينا فيكم ولا في طريقة إدراتكم للبلد، الأمر يتعلق بالاتساق مع النفس، بالوضوح، بالتوقف عن الالتواء كعاهرة رخيصة هنا وهناك.

-5-
” خلي بالك من نفسك، وخف شوية بقى، ومتباتش في بيتكم اليومين دول”
– الجملة الأكثر رواجًا في مكالمات طلاب الجامعات المُشتغلين بالسياسة.

وأنا دائمًا ما أرد “أخف عن إيه طيب؟”، نحن لا نعلم ما الممنوع الذي نتوقف عنه، إن كانوا يريدون ألا نُثير الشغب، فأنا لم أعتد على أحد أبدًا، لم أحمل حجرًا ولم أعتد على منشآت الجامعة، أنا حتى لم أكتب اسمي على أيٍّ من جدرانها تخليدًا للذكرى “الهباب وأيام العذاب”، إن كانوا يريدون ألا ننتمي للجماعة المحظورة، فأنا فعلاً لم أكن ولن أكون يومًا في صفوفها، خلافي الفكرى معهم أعمق بكثير من كافة الاتهامات التي تتطاير اليوم بحقهم في إعلام الدولة، شاركت في جمع استمارات تمرد، كنت أقود الهتاف في مظاهرات 30 يونيو بمحافظتي قبل أن نرجع لبيوتنا قبل أن تحتل الشوارع حشود التفويض، شاركت في تكوين التحالف الطلابي الذى أطاح بطلابهم من الاتحادات الطلابية في عام حكم مرسى، وإن كانوا يريدون ألا نكون من أيٍّ من أطياف تيار الإسلام السياسي فأنا بالفعل منتمي لحزب سياسي علماني بامتياز.

 

ماذا تبقى إذن كي “أخف عنه شوية”، ماذا تبقى كي أهرب بسببه من منزلي ليلة امتحان مادة الأطفال – وهي من أسوأ ليالي العمر لدى طلاب الطب بالمناسبة – لأذهب لبيت مهجور أجلس به وحيدًا على حصيرة وليس معي سوى كتاب الأطفال وزجاجة مياه وأترقب أصوات السيارات العابرة في الشارع انتظارًا لصوت الحملة الأمنية المكلفه بالقبض عليَّ؟!

“أنت مستني حد”؟ صديقي “المسيحي” الذي ترك السياسة بعد تهديدات له ولأسرته يسأل في اضطراب بعد أن سمع صوت خطوات متسارعة على سلالم البيت الذي أحيا فيه بعيدًا عن بيت أهلي، ولكني لا أجد ما أرد به، حينها كنا نشاهد فيلمًا “يوغسلافيًّا” قديمًا وذا طابع كوميدي واضح، لم تعد هناك دولة بهذا الاسم أصلا ليتهمونا بالتخابر معها، لا أجد ما أرد به، فأسكت، ونسكت، نكتم أنفاسنا حتى يختفى صوت الخطوات، نغلق بعدها الفيلم، ونضحك سويًّا على ملامحنا منذ لحظات، أفهم أخيرًا المثل الذي كانت “أبلة فادية” تُصر أن تكتبه أعلى السبورة في أولى ابتدائي “شر البلية ما يُضحك”.

 

نحن لم نعد قادرين على إثارة أي شيء يا صديقي، سوى بعض من الشجن، ولكن يبدو أن حتى ذلك أصبح مما يهدد “الأمن القومي”.

 

دعهم إذن يخطفونا من بيوتنا في فجر هذه الليالي السوداء.
سيستمعون بتعذيبنا ويسألوننا أسئلة لا إجابة لها.
ولكن هل سينقذ هذا إخوتنا المجندين في سيناء من القتل؟
هل سيضمن هذا لأطفال الشوارع سقفـًا يحتمون به من برد الشتاء؟
هل سيوفر هذا علاجًا لأهلنا مرضى السرطان والكبد؟
هل سُيسعد هذا أهل مصر؟

إن كنا فعلاً من يمنع تحقيق كل هذا، “فاضرب كمان يا باشا”، سيتحمل بعض منا التعذيب ويخرج ليكمل عدد الممسوخين على أيديكم، وسيستلم البعض الآخر ليُتم عدة الممسوخين بين أيديكم، وسيموت منا من يموت.

 

ربما بعدها يعلم أهلنا أين تكمن المشكلة، وأين تكمن رأس الأفعى، فيقطعوها.
سنرضى حينها بما تثيره ذكرانا، بعض من الشجن بعد النصر سيرضي أرواحنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

طلاب, مجتمع, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد