انقطع الكثيرون عن الدراسة في السنوات الأخيرة لأسباب عدة؛ من اختار السفر لأحد بلدان الجوار، وآخر فضل طريق الهجرة والبدء من جديد، وآخر تعثرت به السبل ليجد جامعة تناسب إمكانياته المادية. والكثير الكثير من الأسباب التي ألقت بظلالها على المحصول العلمي الواجب في هذه السنين الفائتة.

وكوني أحد هؤلاء الأشخاص، يومًا ما كان شغلي الشاغل أن أجد إحدى الجامعات لأكمل سنتي الأخيرة فيها بعد أن تعثرت السبل لإتمامها قبل السفر.

كنت قد أرسلت جميع الأوراق اللازمة لإحدى جامعات الدول العربية وتم قبولي لمتابعة الدراسة. على أن أدرس سنتين على الأكثر. كان حلًا منطقيًا وأحد أفضل الحلول حينها، في إحدى أقدم الجامعات العربية وأفضلها.

المفاجأة كانت حين سافرت وصُدَمت حينها بأن ما تم تعديله وقبوله من مواد جامعية درستها سابقًا يعادل ثلاث سنوات عندهم، لكن!

يجب أن أبدأ من السنة الأولى كون بعض المواد غير المقبولة أو التي لم أدرسها من قبل هي من مقررات السنوات السابقة. ونظرًا لعدم وجود نظام الساعات المعتمدة فكان لزامًا أن أبدأ من جديد، سنة أولى أدرس ماديتن فقط، سنة ثانية مادة فقط، وهكذا.

كان القرار صعبًا حينها، خاصة لضياع أربع سنوات دراسية، ضياع أربع سنوات من العمر!

بحثت عن الحلول الممكنة إلى أن اخترت محاولة العمل وانتظار أن يضحى الوضع مناسبًا للعودة وإكمال تلك السنة المتبقية من مدة دراستي هناك.

لم أكن موقنًا بإيجاد عمل وقل من يقبل بغير الخريجين هناك. لكن ربما المحاولة كانت لترضي النفس قبل قرار البدء من جديد في المشوار الدراسي هنا.

بحثت بعد أن تعلمت شيئًا جديدًا عن سوق العمل. شيئًا مفيدًا بعيدًا عن مناهج الدارسة (في مجال عملنا يكون الرابط شبه معدوم بين سوق العمل والدراسة الأكاديمية).

لحسن الحظ ومن اليوم الأول كنت قد وجدت عملًا وكان كأي عمل هناك فترة اختبار ليحدد بعدها أمر قبولك أو عدمه.
لم أنتظر كثيرًا وتم قبولي من اليوم الثالث، ربما لجهوزيتي، لإلمامي التام بمجال العمل، وربما للدافع الكبير للبدء في الحياة العملية والذي انعكس على نشاطي في العمل.

لم أكن حينها مضطرًا للعمل دون أي ضغط من الأهل أو أي شخص. وكان على العكس تمامًا، بل دافع ذاتي لصعوبة ضياع عمر كنت قد استهلكته في ما مضى.

عملت حينها خمس سنين وتدرجت في العمل. بت مسؤولًا عن مجموعة من المهندسين الخريجين.

أحببت بيئة العمل جدًا. ومضى الوقت سريعًا وقبل أن يمضي ويفوتني قطار العمر الذي لم يغب عني يومًا. ففي يوم ما سوف أحتاج لتلك الورقة. هي مجرد ورقة لكن هي الإثبات الوحيد على أنك مؤهل لهذا العمل وقل من يقبل دونها.

وجدت إحدى الجامعات التي تملك نظام الساعات المعتمدة، لكن كان علي أن أدرس سنتين هناك. لم يعد للوقت الضائع حينها حيز في التفكير. فقد تغير التفكير حينها بعد الإلمام التام بسوق العمل، بعد خبرة باتت مفيدة.

باتت العودة للدراسة بمنظور آخر، وبشيء من الجمال المتجدد. بات الربط جميلًا بين العمل والدراسة، بعد عودتي للدراسة بعد انقطاع مع العمل.

لن تقف الحياة عند أي مطب. لن تقف يومًا لأي سبب. هي الأيام تجري شئنا أم أبينا وعلينا الاختيار. علينا النظر لما نحن فيه، لما نستطيع فعله. علينا النظر للمتاح واستغلاله. ألا يسير قطار العمر دوننا فيتركنا هناك على ناصية الشارع منتظرين عودته من جديد. وقد يطول غيابه كثيرًا، وقد لا يعود!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد