بنظرات ثاقبة كانت تتفحصني بدقة، طرحت استجوابتها لماذا تريد الذهاب تحديدًا إلى تلك البلاد؟ كررت باستنكار أتركت كل بلاد العالم ولم تبق سواها؟ بعد أن أجبتها وبدأت في شرح ما أريد صفعتني بكلماتها: «اذهب الآن ومر علينا بعد أسبوعين، يعني بعد إجازة العيد الكبير يا شاطر»، فجاوبتها: «نعم! ماذا يعني أسبوعين؟ لماذا علي الانتظار كل هذا وأنا الآن أمامك؟ لماذا لا تُنهي أوراقي وتتركيني وشأني؟ ردت بانفعال شديد: «ألا ترى الازدحام في المكتب، سنترك كل هذا ونتفرغ للبحث عن ورقتك الضائعة؟».

أتذكر في تلك الأثناء أنني تملكني الانهيار العصبي وصرخت في وجهها بـ«حسبي الله ونعم الوكيل»، لم أجد سوى هذه الكلمات لتعبر عن غصة حلقي، صرخت بها أمام هذا الحشد من النساء المتواجدات فيما يسمى بشؤون الطلبة، الذي بالمناسبة أقترح تعديل اسمه لـ«شؤون تعذيب الطلبة».

كانت تلك أولى خطواتي نحو الذهاب والسفر لبلاد آل عثمان، خطوات مليئة بالتعب والمشقة، مررت خلالها بسلسلة طويلة من الإجراءات والأوراق كان يجب إنهاؤها قبل السفر والتوجه لرحلتي نحو ذاتي، رحلة ستستغرق خمس سنوات من عمري في بلاد لا أعرف لغتها، كل ما أعرفه مدينتين فيها وجزء بسيط من تاريخها الذي حصلته من المسلسلات المترجمة، انتهيت من تحضير كافة الأوراق، حينها فقط شعرت بأنني تحررت من تلك النظرات المليئة بالاتهام؛ والتي كانت تشعرني بأنني ذاهب للتخابر، وليس للدراسة، ليس فقط من موظفي الدولة، ولكن أيضًا من أقرب المقربين لي، ومن عائلتي، فذكر كلمة تركيا في مصر يشبه أن تقوم بذكر ابن لادن في الولايات المتحدة الأمريكية، أو أن تذكر إيران في السعودية.

حملت حقيبتي على ظهري وانطلقت صوب وجهتي تركيا، وتحديدًا إلى مطار صبيحة في ولاية إسطنبول، كنت في الطائرة ممتلئًا وعاجًا بالمشاعر ما بين الخوف والحماس والترقب لا أعلم ما ينتظرني، في رأسي تدور تلك الأسئلة هل أخطأت، ويجب العودة لأرتمي في حضن أمي وأبي مرة أخرى؟ هل يجب ترك كل هذا والتراجع فورًا؟ حتى تغلبت مشاعر الغبطة والحماس على ذلك الخوف وهمست لنفسي هنالك الكثير بانتظارك كل ما عليك هو الصبر. وحولت بصري نحو نافذة الطائرة للاستمتاع باللحظة ومشاهدة السحب وهي تداعب أجنحة الطائرة.

ما إن وصلت الطائرة إلى المطار حتى تسلل الخوف لداخلي، رأيت بالمطار حركة سريعة وأناس من كل حدب وصوب، شعرت لوهلة بالتيه وسط كل تلك الأجناس، لكن لحسن الحظ كنت قد حصلت على منحة من الدولة التركية، وكان في استقبالنا بالمطار مندوبين من المنحة؛ مما أشعرني بالطمأنينة ولو للحظات وبصراحة كنت في أشد الحاجة إليها، قام مندوبو المنحة بمساعدتنا لركوب الطائرة الأخرى التي اتجهت بنا إلى المدينة التي سندرس فيها بداخل تركيا.

وكانت مدينتي هي أنطاليا التي تقع جنوبي تركيا، وصلت لها في الليل، وحينها لم أعثر على أحد لاستقبالي، فزارني الخوف مرة أخرى، وازدادت حيرتي حينما لم أستطع التواصل مع أحد، فأغلب الشعب التركي يعتز بلغته ويجدون صعوبة في التحدث بالإنجليزية، ولحسن الحظ أيضًا أن والدي كان قد ألصق ورقة على حقيبتي مدونًا عليها عنوان السكن الخاص بي، فانتزعتها وأشرت لسائق الأجرة أني أريد الذهاب لذلك المكان، وعند وصولي غططت في النوم وكأني لم أنم منذ قرن.

ساعات الغربة

ساعة الغربة ليست كساعتنا العادية، إنما هي بطيئة جدًا عند الاشتياق والحنين للماضي، سريعة كلمح البصر عندما تدخل في دوامة الحياة وتبدأ الاندماج بالمجتمع الجديد، في البداية ستصدم عندما تتعرض لأمر غريب عن ثقافتك، ومن الممكن أن تستنكره، ثم يتطور الأمر لتتكيف معه وتتقبله مع الوقت، لن تشعر كيف تغيرت، ولا متى صرت هذا الشخص الذي يفكر كثيرًا قبل البدء في أي أمر، الغربة تجعلك أكثر حذرًا وحيطة في علاقاتك، هي تهيئك للنضج والرشد.

ساعات الغربة الأولى أمضيتها في تعلم اللغة التركية؛ فهي السبيل الذي كان سيعينني على دراستي واندماجي بالمجتمع، وفي فصل دراسي مكون من 15 طالبًا، أتوا من كافة أنحاء العالم كأفريقيا والبلقان ودول كنت أسمع عنها لأول مرة، لطالما تسألت: كيف لي أن أتكيف وأتعامل مع كل هذا القدر من الاختلاف؟ فلكل منا ثقافته ولغته وطباعه، وكيف لي أن أتعلم تلك اللغة التي تُحدثنا بها المعلمة؟ فأنا لا أفهم منها أي شيء فقط كل ما أقوم به هو الإيماء برأسي، ثم أنظر من حولي لأجد الجميع يفعلون نفس الشيء، فأشعر أني فقط من لا يفهم.

مع مرور الأيام تعلمتُ أن ذلك الاختلاف الذي كان يظهر للرائي من الخارج هو في الأصل ما يجمعنا، اكتشفت أن الإنسان هو الإنسان أي كان شكله أو لغته أو ثقافته، فمخاوفه واحدة، وطموحاته وآماله تتشابه، فقط نحن من نضع كل هذا جانبًا وننظر فقط للاختلاف، كنا تارة نشغل موسيقى أفريقية، ثم يرقص الجميع عليها وتارة أخرى يُجلب لنا الأصدقاء من دول البلقان الطعام لتذوقه، ومرة أخرى تتمازج كل هذه الثقافات في خليط واحد لتخرج لنا الإنسان بدون أي تصنيف.

أيامي مع اللغة ومع تركيا كانت كالطفل الذي يكتشف الشيء لأول مرة، فأسمع الكلمات وأرددها، وأستمتع مع أصدقائى العرب بتقاذف الكلمات التركية المأخذوة من اللغة العربية التى تم تحويل طريقة نطقها، بل أحيانًا يصل بنا الأمر لأخذ كلمة تركية ونحولها للنطق باللغة العربية مبتدعين بذلك لغة ثالثة خاصة بنا، يكمن الجمال في تلك الأيام في كلمة «أول مرة»، فكل شيء جديد عليك الشوارع التي تمشي فيها، الناس التي تراها، الأصدقاء الذين ترافقهم، اللغة التي تنطق بها، السكن الذي تسكن فيه، كل شيء جديد، كل شيء له لذته عندما تستكشفه لأول مرة.

تعلمك الغربة كيفية الاستمتاع بالتفاصيل، تريك كيف ترى الجمال في أقل ما تملك، علمتني تركيا أن أصبر فمرت عليا الكثير من الأيام المليئة بالوحدة والحنين للأهل والماضي، عرفت حينها كيف أمتن، تقاربت خلال تلك التجربة مع معاناة الكثيرين، وشعرت بالإحباط لأن ليس باستطتاعتي فعل أي شيء، فقط كل ما فعلته هو الاستماع، حينها تيقنت أن الانسان هو مخلوق قدراته محدودة جدًا أمام من خلقه، فقط كل ما علي أن أطمئن وأسلم أمري كله لله.

لو كان لي أن أضع عنوان لهذه التجربة فسيكون «تجربة نحو ذاتي»، فهي أكثر ما عرفني على نفسي بدون أي ادعاءات أو تجمل، كنت في لحظات كثيرة أمام الصواب والخطأ وعلي أن أختار، كنت أمام اختبارات كثيرة لمبادئي وقيمي، هل هي حقًا راسخة وسأطبقها عندما يحين الوقت، أم هي مجرد أداة للتجمل فقط، ذاتي التي لطالما صارعتني في أيام الغربة، تعرفت في هذه الأيام على دوافعي التي تحركني، عندما التحمت مع ذاتي، تيقنت أنه لا يجب مصارعتها، كل ما يجدر بي هو القبول، ثم البدء في التغيير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد