ربط الدراسة بالعمل بشكل ميكانيكي، يجعل ثقافة المجتمع تأخذ مفهوم الدراسة وسيلة للوصول إلى هدف ما، فإن تمكن الفرد من تحقيق هدفه، فإنه يهمل الوسيلة ولا ينظر إليها بعد أن أدت دورها، فيضعها في القبو أو في المرآب، لتكون كما الخردة القديمة تحمل ذكرى الوصول إلى الهدف.

أما إن لم يحقق المرء هدفه، فإن الوسيلة تَلْقَى أبدع اللعنات في التاريخ البشري، وتصبح شيئًا ملعونًا لا قيمة له ولا فائدة منه.

إن هذه الثقافة البرجماتية التي تشبع بها العقل الشعبي، جعلت الإنسان الحامل لها ينظر إلى الدراسة بمفهوم الوسيلة، فأضحت بذلك محصورة في مرحلة زمنية بين الانطلاق والوصول، وهكذا جرى استئصال طبيعتها الواقعية والمثالية الكامنة فيها، وهي أنها – واقعيًّا – ميدان يرتبط بالبحث عن الحقائق، ومثاليًّا، مجال لتحرير العقل الإنساني من الحاضر الآني ومن ضرورته الحاضرة، ووضعه في هيكل زماني يتضمن إمكانيات غير محدودة يمكنها أن تتجاوز الوضع القائم كما هو إلى وضع أكثر رحابة يحمل وجوب الحدوث.

إن العقلية البرجماتية تحاول، حصر العقل البشري في صيرورة آلية عملية تعيد إنتاج الوضع، وهذا معناه تشييء الكينونة الإنسانية وجعلها جزءًا لا يتجزأ من مكننة سائلة ومرنة تتغير حسب تغير شكل الوضع، دون تغير المضمون.

الدراسة بمفهومها غير الأكاديمي، المتجاوزة لحادثي الإدارة والمعمل، تأخذ إطارها انطلاقا من المفاهيم الإنسانية المرتبطة بهدف الحقيقة والحرية، وتحاول تحرير العقل ليخرق إطار المكننة حتى يبني عالمًا يفنى فيه استغلال الإنسان للإنسان.

لهذا، هناك خطورة في تأطير الدراسة بالعقلية البرجماتية، وجعل قيمتها مرتبطة بالعمل، ونفي استقلاليتها عن عالم العمل، ومحاولة حصر دورها في التعليم الأكاديمي لإنتاج أشياء تعيد إنتاج الأوضاع نفسها، ونبذ كل من يدرس على الهامش الأكاديمي «حبًّا في الحكمة، أو إدمانًا على الفضول العلمي، أو هوسًا بالتميز العقلي»، فهذه الثقافة البرجماتية تحاول نبذ هذا الصنف من الدارسين، بأوصاف كالجنون أو الأقدمية أو السذاجة. وهذه أوصاف لا تعبر سوى عن «سلطة النبذ» التي يحاول من خلالها خطاب البرجماتية أن يمارسها على هؤلاء الدارسين؛ حتى يدخلوا ضمن أشيائه التي تحافظ على الوضع كما هو، وأن لا يفكروا ميتافيزيقيًّا في أوضاع كما يجب أن تكون.

نلاحظ انطلاقًا مما صرحنا به أعلاه، أن النظام الأكاديمي والثقافة البرجماتية التي تسود عقلية المجتمع والمكننة، تتكاتف فيما بينها لتُخَنْدِق الدراسة في إطار جامد، هو إطار «وسيلة لتحقيق العمل المهني».

هذا التأطير ينزع عن الدراسة أصالتها الطبيعية التي وُجدت بها، وهي أنها ترتبط بالكيان الإنساني كيانًا عاقلًا يُلبِّي نداء الحقيقة، وليس بهيمةَ عمل، تستعمل الدراسة فقط، للحصول على شهادة الاستعداد للعمل.

إن دور النظام الأكاديمي إذن هو تذويب الدراسة في الشهادات، فمن لم يحصل على الشهادة لا يُعترف به على أنه دارس مُتمكِّن، وهذا يعني أن احتكار مجال الدراسة يخص النظام الأكاديمي، مما يقود إلى استبعاد أية دراسات غير أكاديمية لا تهتم بربط الدراسة بالعمل. أي إن الدارس أصبح يتجسد الاعتراف به دارسًا في الشهادة وليس في الإنتاج المعرفي.

أما دور البرجماتية الشعبية، فمرتبط بالنظام الأكاديمي في جزء من المجموعة الهدامة (أكاديمية- برجماتية- شعبية- مكننة)، فهذا النوع من البرجماتية يعمل على سحب أية صفة عقلية عن الشخص الدارس الذي لا يكون هدفه من الدراسة هو الحصول على العمل، الذي لا قيمة له بدوره سوى أنه مرتبط بالحصول على المال. وهذا معناه، تقليص كينونة الإنسان في المال، فالهدف من الحياة ككل هو الحصول على المال، وقيمة الإنسان تظهر في كمية المال التي لديه، أما الدراسة فهي لا شيء مقارنة مع المال، لا يمكن أن يستوعب العقل الشعبي أن الدراسة لها إمكانيات كثيرة تستقل بها عن العلاقة الميكانيكية (دراسة- عمل- مال)، فإما أن تقود الدراسة نحو العمل، وإما أن تبتعد عن محيطنا. فالعقل الشعبي يدرس ليعمل ليحصل على المال، أما أن يعمل ليحصل على المال من أجل أن يدرس فلا يمكن تخيله.

وتأتي المكننة في الأخير، لتستكمل الإطار العام للدراسة (كما يُراد منها في الحاضر المعاصر). وأصلًا، فالمكننة هي العلة الأولى لهذا الإشكال الذي أصاب الدراسة، فقبل الثورة الصناعية كانت تأخذ الدراسة مكانة مستقلة عن العمل، فالأرستقراطي مثلًا، له مكانة اجتماعية لا يحتاج فيها للعمل، ومع ذلك يهتم بالدراسة بشكل فعال، لا لشيء إلا لأنه يحمل ثقافة تؤكد أن الدراسة مكانة عقلية وجزء من المكانة الاجتماعية. وبالمثل، في الحضارة الإسلامية كان الفلاسفة والعلماء والملوك يهتمون بالدراسة لا لشيء إلا لأنها جزء من عقلية الإنسان المسلم الذي يحثه دينه على البحث عن العلم ولو في الصين.

أما في الحضارة اليونانية فكانت الدراسة جزءًا من ثقافة الإنسان اليوناني الذي كان يحاول فهم وجوده، بعد أن صار مجتمعه ينعم ببعض السلام والرفاهية، فالذات اليونانية كانت تعاني من قلق وجودي (يتمظهر بشكل واضح في تراجيدياته)، هذا القلق يدفعها لمعرفة سبب وجودها وأصلها، بعدما لم تُقنعها الأساطير الشعبية (كملاحم هوميروس وهيزيود).

إذن نلاحظ أن الإشكال الذي تعاني منه الدراسة الآن، هو إشكال تولد بسبب المكننة، وخاصة بعد تجذر النظام البيروقراطي في الإدارة والمعمل، وأصبح من الضروري تحديد الامتياز بين أفراد هذا النظام، وهذا الامتياز لا يُعَيِّنه سوى إتقان التخصص في ميدان معين، وهذا الإتقان لا يدل عليه سوى الشهادة المستجلبة من النظام الأكاديمي.

إذن، أضحت الدراسة الأكاديمية (المهنية أو العلمية أو الإنسانية) متجسدةً كإتقان في الشهادة، والتي تسمح للفرد بأن يحصل على مكانته داخل النظام البيروقراطي الذي يعمل بشكل آلي، مما شَيّأ الإنسان المتخصص؛ إذ تقلصت كينونته في ذاك التخصص، الذي يداوم العمل عليه بروتين يومي، ينزع عنه الإبداع، ويحوِّله إلى كومة عضلية، تكرر العمل نفسه دون استخدام العقل، مما قد يُدخله في كهف سيكولوجي، يستمتع داخله بأحلام اليقظة، كأنه يحلم بأفعال جنسية.

هذه الملاحظة أوردها هربرت مركيوز في كتابه «الإنسان ذو البعد الواحد»، وهي ملاحظة جد مهمة، تضعنا أمام واقع تحول الإنسان إلى كيان شيئي يستمتع بشكل شبه جنسي بعمله المتكرر، حين يستغرق فيه، ويتيه عقله فيه، مما يُؤدي إلى إشباع جانبه السلبي القائم على رفض الوضع.

من هنا، نجد أن المكننة مسؤولة عن تشييء الذات البشرية، بعد أن أطرت الدراسة في النظام الأكاديمي وغذت العقلية الشعبية بالثقافة البرجماتية، حين خلقت له مجالًا للتنافس على فرص العمل القائم على الشهادة الدراسية.

إذن، في الأخير، إن التخلص من أكاديمية الدراسة، يمكنها أن تسحب الدراسة من ذاك النطاق، وتُعيد لها أصالتها الطبيعية، للقيام بدورها في المجتمع، حتى تتخلص من ثقافة البرجماتية التي تخنق عقلية الأفراد، وتجعلهم رَاضين عن الوضع الذي أفرزته المكننة، المبنية على أساس تشييء الكينونة البشرية في جهازها البيروقراطي الصارم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد