في تقديمه لكتاب “كيف تعمل جوجل؟”، يتحدث الشّريك المؤسّس لاري بيج، والمدير التنفيذي لشركة جوجل، عن فكرة الاستقلالية في العمل، وكيف أنها سرّ نجاح جوجل، بالقول: “عندما كنت يافعًا، وبدأت التفكير بمستقبلي، قرّرت أن أكون إمّا أستاذًا في الجّامعة، وإما أن أبدأ شركتي الخاصّة. لقد شعرت بأن أحد هذين الخيارين سوف يعطيني الكثير من الاستقلالية في العمل، وحريّة في التفكير، ومرونة في تنفيذ الأمور التي أراها مناسبة، دون تحكّم سلطة عليا تدّعي الحكمة”. يتابع لاري موضحًا، أنّهم في جوجل طبقوا هذا المبدأ، وهو مبدأ الاستقلاليّة، في كل شيء يقومون به، لذلك فإنّ أحد أسرار نجاح جوجل برأيه، هو استقلالية الموظفين في العمل.

إنّ إحدى طرق تشجيع الاستقلالية المشهورة في جوجل، هي تطبيقها لمبدأ 20%. يعني هذا المبدأ أنه يمكن لللمهندسين والموظّفين أن يعملوا خلال 20% من وقتهم في الدوام الرسمي على أي شيء يريدونه أو يرغبون به، إذ أنّهم يملكون الاستقلاليّة الكاملة في 20% من وقت دوامهم الكليّ. يمكنهم خلال تلك الفترة أن يقوموا بكل ما يريدونه بحرية كاملة. هل يمكنك تخيّل النتيجة؟ تشير العديد من الإحصاءات أنّ حوالي نصف المنتجات الجّديدة في سنة عمل نموذجيّة في جوجل، تولد في ذلك الوقت المخصصّ للإبداع، أي ضمن 20% من الوقت، منتجات مثل بريد غوغل Gmail وأخبار غوغل Google News، وغيرها.

نعود مرة أخرى للكتاب نفسه، والذي يذكر إحدى القصص المثيرة للانتباه، حول فائدة تشجيع الاستقلالية والمبادرة لدى الموظفين. حيث كان المدير التّنفيذيّ يتفحّص إحدى نتائج البحث، ولكنه وجد نتيجة تتضمن خطأ ما، إذ وجد أنّ نتائج البحث غير متعلقة فعلًا بالكلمة التي يتم البحث عنها، وإنما تتشابه معها بالأحرف المشتركة فحسب. لقد كانت نتيجة ذلك الخطأ كارثية، إذ إنّ الإعلانات الظاهرة كانت غير متعلقّة أيضًا بنتيجة البحث. كما نعلم فإنّ مبدأ الرّبح في جوجل يعتمد على عرض إعلانات مرتبطة، ومتعلّقة بنتيجة البحث، وبالتّالي فإنّ وجود مشكلة في عرض الإعلانات ستسبّب في حال اكتشافها نفورًا من قبل المستخدمين ومن المعلنين على حدّ سواء، وستؤذي سمعة الشركة بشكل كبير.

إذًا ماذا فعل المدير حين واجهته تلك المشكلة، هل قام بالطرق التقليدية الإدارية، من رفع مذكرة لفريق العمل، وطلب اجتماع معه بعد أسبوع، وانتظار النتائج، ومن ثم رفع توصيات؟ حقيقة الأمر، أنه لم يستدعِ فريق العمل، ولم يخبر المسؤول عن تلك المشكلة مباشرةً، وحتى لم يقم بطلب اجتماع، وإضاعة الوقت في الاجتماعات، ورفع توصيات، لأن ذلك سوف يستغرق أشهرًا لحل هذه المشكلة. لقد قام بأمر أبسط بكثير، وهو أنه قام بوضع ملاحظة على الثّلاجة في المطبخ، تتضمت تلك الملاحظة صورة عن هذه المشكلة. بعبارة أخرى أي أنه قام بالتقاط صورة للشاشة التي تحتوي النتائج الخاطئة، ووضعها على الثلاجة، مع كتابة ملاحظة بوجوب تفادي هذا الخطأ الفادح.

صادف وضع تلك الملاحظة يوم الجّمعة آخر أيام الدوام الأسبوعية، دون أن يخبر أحدًا بما قام به. هل يمكنكم تصورّ ماحدث؟، ما حدث كان مذهلًا، وهو أنه في يوم الإثنين جاء أحد العاملين مع صديق له من الموظّفين في الشركة، وطلب لقائه، وعرض عليه حلًّا لتلك المشكلة، فقد قرأ تلك القصاصة، وفكّر بحل تلك المشكلة مع صديقه، بل ووجد حلًّا برمجيًّا مبدئيًّا لها، وطلب عرضه على المدير. إن المثير أكثر للدهشة أن هذين الشخصين غير معنيين أصلًا بالأمر، فهما لا يعملان في القسم المرتبط بالمشكلة أصلًا. لقد اجتمع الصديقان في عطلة نهاية الأسبوع، وعملا سويًا على استكشاف حل المشكلة، وقاما ببرمجة برنامج صغير لحل تلك المشكلة، ومن ثمّ قاما باقتراحه مباشرةً على المدير، لأنهما شعرا أن الشركة تهمّهما، وأنّ عليهما العمل على أمر ليس من صلب مهامهما لأنه أمر مفيد للشّركة، وطبعًا الأهم من ذلك أنهما يعلمان أن الشركة تشجع مثل تلك الخطوات.

في حديثه الرائع في تيد، يوضح دان بينك ذلك، لقد تم اختراع الإدارة التقليديّة من أجل المفاهيم التقليديّة في العمل مثل الإذعان، وهذا لا يعني أنّها صالحة للأبد. على العكس تمامًا، فإن المفاهيم الحديثة تشجّع على الاندماج والاستقلالية، أي الحكم الذّاتي للموظفين. إنّ الموظّفين في جوجل يعرفون ذلك، ولذلك فهم يقدمون أفضل ما لديهم لأنهم يتبنون ثقافة الشّركة، ويهمهم الإنجاز، وليس التّوصيف الوظيفي، لذلك في جوجل، هم لا يشدّدون على أهمية التّوصيف الوظيفي، والمهام الواضحة لكل موظف، وإنّما على الاستقلالية في العمل، وتوضيح الهدف العام، والرؤية العامة للفريق.

على سبيل المثال، لتحقيق اندماج أكثر للموظفين في شركة تويتر، وجعلهم جزءًا من الشركة، وليسوا مجرد موظفين، قرّر الرئيس التنفيذي الجديد لـتويتر، جاك دورسي، إعطاء ثلث أسهمه للموظفين، أي ما يعادل 200 مليون دولار، وعلّل ذلك بالقول: “أن تمتلك جزءًا صغيرًا في شركة كبيرة، أفضل من أن تحصل على حصة أكبر في شركة أصغر”.

بالعودة لحديث دان بينك مرة أخرى يذكر أحد الأمثلة عن شركة أستراليّة تدعى Atlassian، والتي لديها فكرة جميلة، فهي تقول للمهندسين لديكم أربع وعشرون ساعة، يمكن أن تعملوا فيها على أي شيء تريدونه، وليس من الضّروري أن يكون جزءًا من عملكم الرّوتيني: اعملوا على شيء تحبّونه. لذلك يمكن للمهندسين أن يبتكروا برنامجًا جديدًا، أو فكرة جديدة ومن ثم في نهاية النهار أو في اليوم التّالي يقومون بالاجتماع وعرض تلك الأفكار على الآخرين، وما حدث أن نسبة كبيرة من البرامج والأفكار الجديدة للشركة جاءت من خلال تلك الأربع والعشرين ساعة، مما حذى بالشركة لزيادتها لـ20%.

يذكر بينك مثالًا آخر، وهو نظام ROWE، وهو نظام ابتكره استشاريّان أمريكيّان، وجاء الاسم اختصارًا لـResults Only Work Environment ، وتعني بيئة العمل المعتمدة على النتائج فقط. يعمل وفق هذا النظام أكثر من 12 ألف شركة حول العالم، في ذلك النّظام لا يوجد تفقد للدوام، ولا يوجد أجهزة بصمة لضبط الحضور، وجداول التوقيع للحضور والانصراف. بالعكس تمامًا يمكن للموظفين أن يأتوا إلى الشركة متى ما أرادوا، ويمكن لهم أن يكونوا في المكتب في أي وقت يريدونه، وحتى أن يعملوا من البيت. إن المهم حقًّا في هذا النّظام هو إنجاز الأعمال، أمّا كيف يتم إنجازها فهذا أمر يعود للموظفين بشكل كامل، ليس هذا فحسب، بل حتّى أنّ حضور الاجتماعات هو أمر اختياري في تلك الأنظمة، لأنه لا يخفى عليك أن بعض الموظفين يهمّهم العمل فقط، ويضيقون ذرعًا بالاجتماعات، وما يحدث فيها.

مما سبق، نجد أنّ الّنتيجة دومًا في كل تلك الأمثلة، وتلك الشركات الناجحة، أنّ الإنتاجيّة ترتفع، وأنّ ارتباط الموظّف بالعمل يرتفع أيضًا، كما يزيد رضاه في العمل، ومن ثم سعادته وولاؤه له، وبالمحصلة الأهم تزيد أرباح الشركة، وتقل خساراتها. أخيرًا لا بدّ من التنويه أن ما سبق مفيد جدًّا في المهن الإبداعية والفكرية، وأما المهن المعتمدة على الجهد العضلي، والحضور الفيزيائي، فالطريقة التقليدية في الإدارة تكون مفيدة نوعًا ما.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد