لا ينفكُّ المهندسون والمعماريون يرددون بشغف وفخر مصطلحات اختصاصهم مذيلة بصفة (الذكاء)، فترى عمارة ذكية مبنية بطرق ومواد ذكية محاطة بشوارع ذكية تسير فيها مركبات ذكية لتشكل مجاورات وأحياء ذكية تنتظم في النهاية في المدن الذكية، وهكذا! ولستُ في هذه العُجالة في مقام شرحِ مفهومِ الذكاء والأبنية الذكية وانواعها وارتباطاتها وتطورها واصولها، فإن نقرة جوجلية ستفي بالغرض لكل من يريد الاستزادة في معاني تلك الكلمة ومشابهاتها ومرادفاتها.

إلا أن تعريفات المباني والعمارة الذكية الكثيرة تتمحور أغلبها –آلان- حول حشوِ المبنى بأنظمة آلية تدير أغلب شؤونه بما يوفر أفضل ظروف المعيشة والاستعمال، ولكن باقل قدر ممكن من الطاقة والتكاليف البيئية والاقتصادية والاجتماعية. أي إن حسن إدارة المبنى وتوفير أفضل ظروف العيش فيه مقيّدٌ ومحدّدٌ بأقل التكاليف، وإلا فإنه لو أُطلق العنان لعامل الكلفة في مقابل ما يوفَّرُ من ظروف حسنة للعيش في المباني لما استلزم ذلك كثير ذكاء أو فِطنة، فأغلب الناس قادرون على توفيرها إذا أتيحت لهم فرصة صرف الأموال الطائلة دون الاكتراث بالتأثيرات البيئية والاجتماعية لما يفعلون!

وإذا كان تعريف الذكاء في الأبنية يتمحور حول تشغيل المبنى وزيادة كفاءته بأقل التكاليف، فإن هذه الفائدة (كفاءة عالية بكلفة قليلة) لا يقتصر الحصول عليها بإضافة الأجهزة والمعدات المتطورة الحديثة فحسب! بل إن كل المعالجات التي يمكن أن يتوفر عليها المبنى في تصميمه الأساس (قبل إضافة أية تقنية) والتي يمكن أن تؤثر في مدى تطبيق تلك المعايير التي تتخذها العمارة الذكية اساسا لها، هي أيضا من مظاهر ذكاء المبنى وعمارته. فالمبنى الذي صُمّم بشكل يمكن أن تـُقلل فيه كلف الخدمات كالتدفئة والتبريد والإضاءة والتهوية هو بالتاكيد يشيرُ إلى مستوى أعلى من الذكاء في تصميمه مقارنة بمبنى مشابهٍ له في الحجم والوظيفة والكلفة ولكن بمستوى أقل بكثير في كفاءة اِستخدام الطاقة في الاضاءة والتكييف والتهوية وغيرها أو بكلفة أعلى. أي إنها معالجة بيئيا دون اِستخدام إضافات معقدة مكلفة كالأنظمة المؤتمتة الحديثة. وعليه فإن المباني التي تعالج كل مِثل هذه المسائل في تصميمها الأساس بكفاءة عالية هي أبنية ذكية. وهي أكثر ذكاء من مبان مشابهة في الوظيفة والحجم لكن محشوةٍ بأنظمة متقدِّمة (ذكية اِصطناعيا) لتقدم ذات المستوى من الرفاهية التي تقدمها الأبنية الأُخرى سالفةُ الذكر!

والذي يلفت الانتباه هنا هو أن مثل هذه المباني (الذكية في التعامل مع بيئتها) ليست حديثة أو من مخترعات هذا العصر! إذ إن البشر استخدموها منذ عصور طويلة وكثيرة، وإن بعضها يحتوي على معالجات بيئية كفؤة بشكل مذهل، قلّلت من صرف الطاقة إلى حدود كبيرة! موفرة بيئة أكثر ملائمة لعيش الأفراد فيها دون هدر للطاقة والموارد، والتي كانت منزورة قليلة أو صعبة المنال حينها! فالعمارة في بلدان المسلمين -مثلا- كانت عمارة مراعية للبيئة ومتوافقة معها إلى حد كبير، فمثلا، كانت مبانيها (نسبيا) باردة صيفا دافئة شتاءً، يمكنُ تكييفها بقدرٍ محدود من الطاقة أو حتى بدونها في أغلب الأحيان، تَستخدِمُ ما توفَّر في بيئتِها من المواد الطبيعية بأقل المعالجات، مراعيةً لظروف حياة ساكنيها الاجتماعية والعقائدية، بل إنها كانت مزيَّنَة ومُجمّلةً بمستوى يصعب تقليده أو محاكاته حتى يومنا هذا، مراعيةً لقيم التّناسب والمقياس الانساني، على مستوى المبنى أو الحيّ وحتى المدينة! وما نَتجت تلك العمارةُ إلا من تجاربَ وأفكارٍ وخبراتٍ تراكَمت على مرّ عصور طويلة لتنتج عمارة أقل ما يقال عنها أنها واضحة الذكاء في إيجاد بيئة ملائمة إلى أقصى حدّ ممكن لحياة ساكنيها وثقافتهم ضمن ما توفرها من إمكانات. وهذه العمارة لم تُصمِّم نَفسها بالتأكيد، وهي ليست ذكية في حدّ ذاتها بلا شكّ، إذ لا بدّ أن يُحال ما يبدو عليها من لمسات الذكاء إلى من صممها وأبدعها من البُناة، أو المعماريين والمهندسين وإن لم يكونوا يعرفون بمثل هذه الاسماء حينها. أي إن العمارة الذكية كانت نتاج مُصمميها ومِعمارييها الأذكياء. وإنّ تبايُنَ ظُهورُ مظاهرِ الذكاءِ في مباني تلك العمارة من زمن لآخر أو من مكان لغيرهِ هوَ مؤشر لتباين ذكاء بُناتها أو مُصمميها أو مِعمارييها كما نُسميهم اليوم.

إذن لا بدّ للمعمار أن يستنفدَ كلّ سُبل توفير معيشة رغيدة لساكني مبناه بما يصممه في مبناه قبل التفكير في إضافة أية أنظمة مؤتمتة وتقنيات حديثة وأجهزة تستنزف أنواع الطاقة، ولا يَلجأ إلى استخدام تلك الأنظِمةِ إلا بعد استنفادِ الحلول التصميمية غير المكلفة. وبعبارة أوضح، لو أن المعمار استطاع أن يُوفّر حاجةً وظيفية أو بيئيةً في مبناه دون كلفة أو بكلفة قليلة ،فليسَ من العقلانية أو الذكاء أن لا يوفِّرها بتلك الطريقة، ويلجأ إلى اِستخدام التقنيات التكنلوجية الحديثة مثلاً.

فمثلا لو اِستطاع المعمار أن يُعدل درجاتِ الحرارة في المبنى بتوجيه نوافذه وفتحاته باتجاه معين، فليس من الذكاء أو العقلانية أن لا يوجه تلك النوافذ بذلك الاتجاه، تاركا حل مشكلة الحرارة في المبنى لإجهزة التكييف الذكية! فعند إذن لا يمكن أن يُعد المبنى الذي صمّمه ذكيًا، بل هو عكسُه تماما! إذ كيف وبِمَ يمكن تفسير عدم حله لمشكلة التكييف بحسن توجيه المبنى أو فتحاته؟! وعليه فان إضافة المنظومات الذكية إلى المباني ليست دائما دليلا على ذكاء المبنى ومصمِّمِه، بل هي في بعض الأحيان دليل على عدم ذكائهما (المبنى ومصممِه) والذي عُوِّض بذكاء مكوَّن أُضيف للمبنى لحل مشكلة قلة (أو عدم) الذكاء فيهما! وبناءً على ما ورد ينبغي أن يكون الذكاء في المبنى أساسيا أصيلا في تصميمه الأولي قبل أن يكون مضافا بأجهزة ومعدات مساندةٍ مكلفةٍ.

وقس عليه جميع المتغيرات التصميمية الأُخرى في عمارة المباني، فعدم القدرة على إيجاد الحلول الوظيفية المثلى لمبنى معين هو إخفاق وتقليل في ذكاء المبنى، وهي إشارة إلى قلة ذكاءِ المُصمم في هذا الباب أيضا، وهكذا يمكن قياس الإخفاق في توفير إضاءة طبيعيةٍ في المبنى أو اخفاقِ مَنظومة التهوية الطبيعية فيه أو في أية منظومة أُخرى من أنظمة المبنى هو إشارة إلى قلةٍ أو نُدرةٍ في ذكاء المبنى و ربما ذكاءِ مُصممهِ.

ويا ترى إلى أي من العمارتين تنتمي أغلب مبانينا اليوم (الذكية أمِ الغبية)؟ فعند النظر إلى مبانينا المختلفة ستجد إحصاءات مخيفة تـَشي دون أدنى شك بأحد النمطين المذكورين دون الآخر! فعندما نجد أن أغلب مباني مُدننا اليوم تعتمد بالكامل على الطاقة الكهربائية في إدارة جميع مرافقها وأنظمتها ووسائل راحتها، فذلك مؤشر واضح على مدى عجز المبنى (المُصمّم) في أساسه عن توفير أي جزء من الطاقة المستنفدة في المباني! وعندما تكون مبانبنا (دون استخدام أجهزة التكييف) -كخِيـَمِ الصحراء- حارةٌ صيفا وباردة شتاءً فذلك يؤشر إلى عدم (ذكائها) وبالتالي إلى مدى ذكاء تصاميمها ومصمّميها! وعندما تكون مبانينا عفنةً خانقةً مظلمةً حتى في ظهيرة صيف قائِض، فتلك اشارة أُخرى إلى مدى ذكاء التصميم ومصممهِ في التعامل مع البيئة الطبيعية! وقِس عليه باقي حاجات المبنى ومتطلباته الوظيفية والشكلية والاجتماعية. ومن هنا، هل يمكن أن يكون من الذكاء زرع كتل زجاجية شاهقة في صحراء قاحلة مديدية واسعة، ومن ثم تُعذّب التكنولوجيا -في بلاد أُخرى- بلا رحمةٍ لتُنتجَ شبابيكَ ومعداتٍ وأنظِمة تكييفٍ ذكيةٍ لتُقلل من تأثير قيض الصحراء ولهيب حرها ووهج إشعاعها المخترِق لتلك الكتل والمباني من جميع الإتجاهات وفي كل الأوقات، ومن ثم توصف تلك الكتل بأنها أبنية ذكية أو عمارة مستدامة؟!

وبالتأكيد ليست هذه الحالةُ السيئةُ هيَ حالَ جميع الأبنية عندنا، الا أن معدلات صرف الطاقة وما سبّبته من أزمات الطاقة المتفشية في مُدننا وبلداننا مُؤشرٌ واضح على المعدّل العالي لاستخدام الطاقة نسبة إلى المساحةِ المخدومةِ في مبانينا ومُدننا، قياسا بمبانٍ ومدنٍ في بلدان أخرى تعتمد ستراتيجيات أكثر عقلانية (وأكثر ذكاءً) في عمارة مبانيها دون استخدامِ أو هدرِ مزيدٍ من الطاقة.

وقد يقول قائل: أن المعمار قد لا يكون حرًا مطلق اليدين في تصاميمه حتى يحلّ كل المشاكل التصميمية كما ينبغي وكما يُريد! وهذا قد يكون صحيحا إذا كانت الموانع التي تقيّد يدي المصممِ موانعَ حقيقيةً تتعلق بظروف المبنى وإمكانيات البناء المتوفرة تقنيا واقتصاديا، ولكن حتى أغلب هذه المعوقات والمقيّدات تصغُرُ وتُذَلل عند النظر إلى العمارة الذكية التي أنشأها بناة العمارة التقليدية بالإمكانات البسيطة والمشاكل المعقدة، مستنبطين لحلولٍ مبدعةٍ فطنةٍ بسيطةٍ غير مكلفةٍ، وما فعله شيخنا –شيخ المعماريين- (حسن فتحي) -رحمه الله تعالى- ليس من ذلك ببعيد، بل إنّي أعده وأعماله حجّة عليّ أولاً ثمّ على كلّ معمارٍ يدّعي تحكّم المعوّقات في تصميمه المعماري.

ولا شكّ أن المبنى لا يكون ذكيا أو غبيا بذاته فكل ما يظهر عليه من علامات الذكاء أو عدمه هي بالضرورة علامات على ذكاء مصممه، وما دامت هنالك عمارة ذكية فانه من المنطقي أن تكون هنالك عمارة أقلُّ ذكاءً وهكذا وصولا إلى عمارة غير ذكيةٍ يمكن أن توصف بأنها عمارةٌ غبيةٌ. وإذا كانت الأولى تشير إلى معماريين أذكياء فلا يمكن أن تشير الثانية أيضا إلى المعماريين الأذكياء! فالعمارة الغبية تشير بالضرورة إلى صنف آخر من المصممين والمعماريين (غير الأذكياء) ربما يمكن تسميتهم مجازا بالمعماريين الاغبياء! وبالطبع لا يمكن لعاقل أن يقول إن العمارة الغبية تعود لمعماريين أذكياء أبوا أن يستعملوا ذكاءهم مستعيضين عنه بظاهر الغباء في مبانيهم وعمارتهم! فليس من الذكاء ان يحب المعمار ان ينمّ نتاجه عن غباء واضح يضرّ مستعمليهِ! وبالضرورة أيضا فإن تباين الذكاء الظاهر في الأبنية يشير إلى تباين ذكاء مصمميها (أو غبائهم ربما)!

وأخيرا فلعلّ هذه المعادلة لا تنطبق على المعماريين وحدهم، بل تتعداهم إلى جميع الاختصاصات الأُخرى كالهندسية والتخطيطية والطبية والقانونية والادراية والاقتصادية والسياسية وهلمّ جرا، فعلى نتاج كل منهم يبدو بوضوح مدى ذكاء من انتجه وفطنته أو ان شئت فقل غبائه، ولكن الخوض في توضيح مدى وجود الذكاء في نتاجات تلك الاختصاصات ومختصيها من عدمه متروك لأهلها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد