أقامت المطربة العالمية سعاد ماسي حفلة في القاهرة شهدت إقبالًا ونجاحًا جماهيريًا على الرغم من ارتفاع أسعار تذاكرها مقارنة بالحالة الاقتصادية المتردية، إلا أن عالمية المطربة وما تقدمه من فن رفيع تهون أمامه التكاليف.

وقد دفعتني هذه العالمية إلى البحث عن أغانيها على اليوتيوب لأتعرف عليها وعلى إبداعاتها حيث إني ممن يعانون من ضحالة في الثقافة الفنية الحديثة.

ولقد هالني ما وجدت حيث إني لم أفهم كلمة مما تغنيه نظرًا لصعوبة اللهجة حتى إن بعض الفيديوهات وضع لها عنوان أغنية «كذا» مترجمة، أي إنها مصحوبة بالتفسير العربي للكلمات العربية! وهو ما ذكرني بموقف اللمبي مع الراقصة التونسية حينما ذهب ليعمل حارسًا لديها فحدثته بلهجتها التي لم يفهم منها شيئًا فأجاب في ذهول «يا نهار أسود على الكلام!».

إلا أن عائق اللهجة يمكن تجاوزه فقد تجاوز اللمبي هذا الحاجز وعمل عندها حارسًا وهي تشطح (أي ترقص). كما يمكن أن نتجاوز حاجز اللهجة من خلال الصوت والألحان المميزة كالتي كانت سببًا في انتشار أغاني الراي الجزائرية رغم عدم معرفة معاني الكلمات لغالبية المستمعين من غير دول المغرب العربي إلا أن جمال الموسيقى وتميز أصوات المطربين قد خطا بهذه الأغاني إلى العالمية.

لكن للأسف فيما يخص سعاد ماسي فإن جودة الصوت ومستوى الألحان أضعف من أن ينتقلا بها خارج أسوار بيتها، إلا أن المميز في الأمر إصرارها على مواصلة الغناء.

أما الأكثر إمتاعًا في إنتاجها الفني فهو إحياء ذكرى الراحل العظيم الفنان «مزجنجي» من فيلم الكيف والذي جسده الراحل محمود عبد العزيز. فمزجنجي لم يكن يملك أي مقومات للطرب إلا أنه حقق شهرة من خلال الإصرار على الغناء فجمع ما جمع من أموال واستثمرها في إنتاج شريط امتلأ بروائع الشعر التي أبدعها بنفسه أو من خلال شاعره العبقري «ستموني».

أما السر في تذكرنا لمزجنجي فهو وجود الكثير من العوامل المشتركة بينه وبين الفنانة العالمية. بداية بجلبابها الأبيض الذي أحيت به الحفلة وهو ما يشابه جلباب مزجنجي الذي كان يرتديه في وجود فرقته أثناء البروفات، مرورًا بالألحان منزلية الصنع التي كان يعدها بالاجتهاد والعصف الذهني مع فرقته بعد العشاء وتوابعه، نهاية بالكلمات التي اقتنصها من شاعره العبقري ستموني الذي كان أول من غنى للقفا بالإضافة لغيرها من الأشعار التي نهضت بمزجنجي في مشواره الفني بعد أن فشل في الحصول على أي أشعار من أمير الشعر محروس ناننس، إلا أنه بالإصرار أبدع لنا في النهاية رائعته «الكيمي كيمي كاه» والتي قد تبدو للوهلة الأولى من لهجة غير مفهومة إلا أن معانيها السامية تظهر تباعًا مع استمراره في الغناء.

ومن أوجه التشابه بين الفنانة العالمية ومزجنجي هو اعترافهما بانقطاع صلتهما بالفن العربي القديم حيث أعلن مزجنجي ذلك لأخيه مبررًا بأن ما يقدمه هو ما تعارف وانتشر من لون غنائي ناجح، وهو ما أعلنته المطربة العالمية في مؤتمرها الصحفي مقاطعة بحدة أحد الأسئلة عن الصِّلة بالفن العربي القديم حيث نفت هذه العلاقة مبررة أن ما تقدمه هو مشروع فني مختلف بالتعاون مع مجموعة من المبدعين الذين يعملون على إعادة صياغة ألحانها لتناسب الذوق المصري.

ورغم غرابة رد الفنانة العربية إلا أنه لا يخلو من طرفة، فالمشكلة ليست فقط في اللحن وإنما المعضلة في الكلمات وهو ما يذكرنا بنكتة قديمة عن الشخص الذي يسأل عن معنى البلكونة حينما أشار له صديقه متسائلًا: «هلي تري الفشنولة اللي في البلكونة؟».

إلا أن نجاح حفلتها في النهاية يكشف عن خلل كبير في واقعنا المجتمعي الذي يحتفي جزء منه بإنفاق ثمنٍ باهظٍ يبدأ من أربعمائة جنيه إلى سبعمائة وخمسين جنيهًا للتذكرة الواحدة على ما لا يفهمونه من كلمات تتسنَّد على ألحان ضعيفة، وبين جزء من المجتمع لا يستسيغ هذا اللون من الغناء ويرفضه تمامًا لأنه منقطع الصِّلة بما درج عليه من ألوان الفنون، وهو ما قد يكون عيبًا في الرافضين لهذا اللون لأنهم على رأي مزجنجي «جهلة باللغة» لغة العصر التي أدت إلى أن «يطيخ الشكرمون في التررولي».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد