أنا بكلمك وأنا قاعد في سجن” – تبع تلك الجملة ضحكة بسيطة، كانت تلك آخر مكالمة أتلقاها من يوسف قبل أن تقتحم قوة من ضباط السجن وأفراده الزنزانة وتصادر الهواتف المهربة والكتب وتقطع أكياس السكر لتنثرها على أرضية الزنزانة الرطبة. إجراء اعتيادي كل أسبوعين تقريبا، لا تجزعوا.

 

يوسف محمد يوسف، ليس آخر المعتقلين ولا أولهم، ولا يمتلك شيئًا يميزه عن الآلاف القابعين في سجون العسكر بين جدران أربعة، لم يفعل يوسف شيئا يستحق الإدانة ولم يفعل شيئا يستجوب إحالة قضيته لمحكمة الجنح بالفيوم، وقتما ينشر هذا المقال يكون قد تبقت ساعات على الحكم الابتدائي في القضية في انتظار النقض والاستئناف على الحكم، جولة جديدة سوداء في أروقة المحاكم والسجون، وانتظار أكثر في برد الزنزانة وعتمتها وقهر السجان، ويوسف حتما سيخرج شخصا مختلفا عن يوسف الذي عرفناه.

حسنا، لست هنا لأكتب عن صديقي، لا أحب بكاء مريدي الحسين في ذكرى عاشوراء ولا أميل أن أصنع كربلائية جديدة أعيش وسطها، ولا لأكتب عن الجالسين في السجون من أصحاب القضية، المؤمنين ببذل كل شيء في سبيل قضيتهم، الأقوياء الصامدون في وجه قضاة لا يخشون الله، كُتب عنهم كثيرًا ولم يوفهم الكلام شيئًا، اُبتذلت المعاني في مدحهم والأمر لم يعد يحتمل المزيد من الكلام . أكتب عن الجالسين في السجون من غير أصحاب القضية، التائهون في معركة ليست لهم في شيء، الذين يعدون أيامهم في السجن لأن لديهم خارجه أسرًا وأطفالا وديونًا ومعركة أخرى مع الحياة ليس النظام – في بديهياتهم – جزءًا منها.

في سجون مصر مواطن قضى 16 شهرًا لأنه أغضب أحد الضباط، أعطى له بطيخة لم تعجب الضابط فألقت القوة القبض عليه في اليوم التالي واتهم بالانضمام لجماعة محظورة والتجمهر والتظاهر وقطع الطريق العام، ومواطن آخر قضى 13 شهرًا بسبب خناقة بين زوجته وزوجة أحد الجيران، الجار كان أمين شرطة في قطاع الأمن الوطني بالقاهرة، طلاب جامعيون قضوا عشرة أشهر بسبب مرورهم جوار مسيرة خرجت من حرم جامعة القاهرة، ومواطن أدين بـ “محاولة” اقتحام مديرية أمن الفيوم فحكم عليه بـ 17 عاما مع النفاذ، ماذا لو استطاع فعلا أن يقتحم المديرية؟ هل كانت المحكمة ستصدر حكمًا بإعدامه على الطريقة العثمانية مثلا؟

 

الاستغراق في الحكي عن تجارب المعتلقين ظلما وجورا قد تستغرق سنوات، المعتقلون الذين لا يملكون قضية سوى لقمة العيش ومحاولة الاستمرار في الحياة وسط الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتأزمة في مصر، الحرب لنيل كسرة الخبز والدواء والملبس والبقاء آمنا من التثبيت على الدائري أو التحرش – لو كنت فتاة – في أحد الشوارع في جهر النهار، من لم يخرج على النظام صارخًا فأرداه النظام سجينًا في معتقلاته بتهم معدة ومجهزة سلفاً، من أين يأتي القهر هنا؟

 

الجميع يدرك الحقيقة العارية، حقيقة هذا الوطن وهذا النظام لكننا لسنا جميعا على نفس القدر من التضحية ولا بنفس القدرة على العطاء، سواد هذا الشعب ليس مناضلا، كنا قلة يوم الثامن والعشرين من يناير، قلة مقارنة بالأعداد التي خرجت في الأيام التالية، من أين يأتي القهر؟ من الصمت والسكون والانعطاف في كل اصطدام مع النظام . التكيف مع الحياة والنسق الذي تفرضه الوصاية العسكرية رغم إدراكك للحقيقة كاملة، أم أن القهر يأتي من أن المحصلة النهائية كانت الجلوس في زنزانة ضيقة مع رفاق صرخوا بالحقيقة في وجه النظام بآلياته العسكرية وأبواقه الإعلامية ومؤيديه من المنتفعين ببقائه؟

 

لماذا يارب كتمنا أصواتنا، صرخاتنا، بكاءنا، أحلامنا؟ كتمنا حزننا، خيبـتنا، قلة حيلتنا. وضاعفت لنا العذاب ضعفين، عذاب الصمت خوفا من السجن، وعذاب السجن؟

 

يوسف – على الأقل – يملك السلوى في لحظات الصمت الطويلة في المعتقل، يملك ذكريات تأسيسه لحركة طلابية صارت قبل اعتقاله بأيام واحدة من أقوى الحركات الطلابية في مصر كلها وانتشارها تجاوز خمس وعشرين جامعة مصرية، يملك ذكريات انتصاره في انتخابات اتحاد الطلاب في كليته وعضويته في مجلس الاتحاد، يملك مكالمة هُدد فيها بالاعتقال فأعطى صاحبها درساً لم ينسه حتى اليوم، يملك صورًا وبيانات كتبها أثناء إضراب كليته العام الماضي.

 

يوسف يملك الكثير، سارعوا إلى امتلاك شيء يهون عليكم ليالي السجن الطويلة. افعلوا شيئا يغضب النظام، لأنه غاضب عليكم حتى لو استمر سكونكم إلى الأبد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد