منذ وصوله للسلطة رسميًا في يونيو (حزيران) 2014، عقب نجاح الانقلاب العسكري في مصر عام 2013، عمد قائد الانقلاب علي المسارعة في تسليح الجيش المصري المتهالك بأحدث الأسلحة من طائرات ودبابات صواريخ، والمثير للانتباه هو مسارعته للحصول علي مختلف أنواع القطع البحرية من فرنسا وألمانيا وأمريكا وألمانيا، في ظل حالة السلام مع إسرائيل، العدو التقليدي للجيش المصري، وفي ظل أجواء التوتر السياسي بين مصر وتركيا، بسبب رفض تركيا للانقلاب العسكري علي جماعة الإخوان المسلمين، كما امتد الخلاف ليشمل ترسيم الحدود البحرية بين مصر وتركيا وقبرص، حيث انفرد الجانبان القبرصي والمصري بترسيم الحدود البحرية، تمهيدًا لعمليات الاستكشاف عن الغاز في تلك المنطقة، والتي تشير التقديرات إلي احتوائها على ثالث أكبر تجمع للغاز في العالم، بعد الخليج العربي وبحر قزوين.

ما يميز تلك المنطقة هو قربها الشديد من مناطق الاستهلاك الرئيسة في أوروبا، ويعزى تأخر استخراج الغاز منها بسبب العمق الشديد للآبار، إلا أن التقدم التكنولوجي المتسارع في بداية الألفية مهد للاستفادة من تلك الثروات بشكل كبير.

وقامت إسرائيل باستخراج الغاز من عدة آبار، كما بدات الاكتشافات المصرية تتوالى، إلا أن تأخر الاستخراج في الجانب القبرصي يرجع للتأخر في ترسيم الحدود البحرية.

معضلة قبرص

يرجع تقسم جزيرة قبرص إلى قسمين: شمالي تركي، وجنوبي يوناني، إلى الانقلاب العسكري الفاشل المدعوم من اليونان في عام 1974، والذي كان يهدف للسيطرة الكاملة علي قبرص، فتدخلت تركيا عسكريا لحماية حقوق القبارصة الأتراك، ومنذ ذلك الوقت فالجزيرة مقسمة بالقوة، ويرفض كلا الجانبين الاعتراف بالحقوق للجانب الآخر، لذلك رفض الجانب التركي أي ترسيم للحدود بين قبرص ومصر، قبل الوصول لاتفاق نهائي في القضية القبرصية.

علي الجانب الآخر تنازل الجانب المصري عن مساحة كبيرة من مياهه الإقليمية، في إطار إتفاقية ترسيم الحدود مع قبرص واليونان، سمحت تلك الإتفاقية بتواصل الحدود البحرية المصرية مع كل من قبرص واليونان، وبالتالي فمن الممكن أن يتشارك الجانب المصري والإسرائيلي والقبرصي في عمل أنبوب لتصدير غاز شرق المتوسط من إسرائيل وقبرص لأوروبا.

تركيا تفرض سياسة الأمر الواقع

من جانبها رفضت تركيا التسليم بأية حدود بحرية تنتقص من المنطقة الإقليمية لها، وبادرت بتطوير سفن للبحث السيزمي والحفر، ومؤخرا دفعت تركيا بالسفينة باربروسا للكشف السيزمي في نقطة شمال خط المنتصف بين حدود مصر وتركيا، والتي تعتبرها قبرص ضمن مناطق الإقتصادية الخاصة بها، والأكثر من ذلك أن تركيا دعمت سفينة البحث بسفن حربية للحماية.

تلاشي آمال تصدير الغاز الإسرائيلي لأوروبا

تلك الخطوة تلغي كل الخطوات المصرية القبرصية اليونانية لترسيم الحدود بينهم، كما تقطع كل الأمال لتصدير الغاز القبرصي والإسرائيلي لأوروبا، حيث يصر الجانب التركي علي أن علي وجود خط منتصف بين تركيا ومصر، ولا وجود لأي حدود تماس لليونان، الأمر الذي يبدد أي أمال لتصدير غاز شرق المتوسط لأوروبا دون المرور بتركيا، حيث تصر تركيا علي أن تكون العقدة الرئيسة لمرور أنابيب الغاز من شرق المتوسط لأوروبا، كما أنها تستثمر في مشاريع لنقل الغاز من روسيا وأذربيجان لأوروبا، مما يعطي تركيا ثقل نسبي لها في الغرب، ويجعلها طرفًا مؤثرًا على حساباتهم السياسية.

السيسي يقنع إسرائيل بوقف تصدير الغاز لتركيا

من ناحية أخري تسبب الخلاف الأيديولوجي بين النظام القائم في مصر والنظام التركي، في تطوير الخلافات في للناحية الاقتصادية، حيث نجح السيسي في إقناع إسرائيل بعدم تصدير الغازي المستخرج من الحقول البحرية عبر تركيا، واقترح تصديره لمصر وتسييله ومن ثم تصديره لأوروبا، كما أقنعهم بجدوي تصدير الغاز الإسرائيلي والقبرصي لأوروبا عبر المياه الإقليمية المصرية، فمقابل أن يتنازل الجانب المصري عن بعض الحدود المائية لقبرص، سيقوم الجانب اليوناني بإلاستيلاء علي جزء من المنطقة الاقتصادية التركية، وبالتالي سيتكون مسار من المناطق الاقتصادية للدول المتحالفة ضد تركيا، وهي إسرائيل وقبرص ومصر واليونان.

لكن تركيا ضربت بتلك الاتفاقيات عرض الحائط وأصرت علي التنقيب في مناطقها الإقتصادية مستخدمه مراكبها المزودة بتقنية محلية.

السيسي يستعد للحرب

من ناحية أخرى فإن نظام السيسي يستعد منذ مجيئه للسلطة للحرب البحرية المحتملة مع تركيا، فقد تم شراء مختلف الأسلحة البحرية من فرنسا وألمانيا وروسيا وأمريكا بقيمة 20 مليار دولار مفصلة كالتالي:

أسلحة من فرنسا

قامت مصر بشراء 24 طائرة رافال فرنسية بقروض من مؤسسات مالية فرنسية، كما قامت بشراء أربع فرطاقات من نوع جوييد، وفرقاطتين من نواع فرايم، خلافا لحاملتي طائرات مستيرال لحمل طائرات هليكوبتر وقمر للإتصالات العسكرية، بالإضافة لتطوير طائرات الميراج في الجيش المصري وتزويدها بأجهزة ملاحة جوية حديثة ورادارات حديثة.

أسلحة روسية

وفقًا لموقع ديفينس ويب الأمريكي، فقد تسلمت مصر في يونيو 2017 من روسيا نظام صواريخ أس 300 في إم المتطورة، وهي نسخة معدة للتصدير من صواريخ اس 300، بالإضافة لـ50 طائرة ميج 29، و50 طائرة عمودية من نوع كا52 لاستخدامها علي حاملات الطائرات العمودية (الميسترال)، حيث تتفوق تلك الطائرة علي نظيرتها الأمريكية الأباتشي من حيث التسليح.

أسلحة أمريكية

تسلمت مصر من أمريكا 12 طائرة أف 16 من طراز بلوك 52، و4 لنشات سريعة من نوع إمباسدور في الأعوام الثلاثة السابقة، بالإضافة لـ380 دبابة إبرامز ، و760 مركبة مدرعة مضادة للألغام تسلمتها منذ عام 2010.

أسلحة ألمانية

قامت مصر مؤخرًا بشراء أربع غواصات ألمانية حديثة، كانت قد رفضت بيعهم لمصر أيام حكم الإخوان، بالإضافة للتفاوض علي فرقاطتين (تجمدت الصفقة بعد الموقف الألماني من مقتل خاشقجي).

مناورات بحرية مصرية يونانية

قامت البحرية المصرية بعمل مناورات بحرية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 مع الجانب اليوناني في جزيرة رودس القريبة من السواحل التركية، في تصعيد جديد للأزمة.

ولم تقتصر التدريبات علي ذلك فلقد أعادت مصر تفعيل مناورة النجم الساطع في 2017 و2018 بقاعدة محمد نجيب العسكرية التي افتتحها السيسي في الساحل الشمالي الغربي لمصر، وتطور الأمر وقامت مصر بإستضافة قوات من الإمارات والسعودية واليونان لعمل مناورات برية في قاعدة محمد نجيب في سبتمبر (أيلول) 2018، والتي تعتبر أقرب قاعدة عسكرية للحدود التركية، وهو ما ردت عليه البحرية التركية بشكل عملي بمنع سفن التنقيب الأجنبية بالدخول في المناطق المتنازع عليها، حيث تم منع سفينة تابعة لشركة ايني الإيطالية من التنقيب في المياه المتنازع عليها في فبراير (شباط) 2018، كما قام بإدخال سفينة تركية للبحث والتنقيب في نوفمبر من نفس العام تحت حماية الأسطول التركي؛ مما زاد الأمر اشتعالا وينذر بنشوف حرب في أقرب وقت.

مقتل خاشقجي وصفقة الفرطاقات

بعد قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، أوقفت ألمانيا صفقات سلاح للسعودية، فردت السعودية بوقف تمويل لشراء فرقاطتين من ألمانيا لصالح مصر، الأمر الذي أضطر الجانب المصري للعودة لمحاولة شراء فرقاطتين من فرنسا بشروط مالية أصعب، ليرتفع عدد الفرطاقات التي تعاقدت عليها مصر من فرنسا ثماني فرقاطات، في تطوير سريع لحجم قدراتها البحرية، برغم الحالة الاقتصادية التي تمر بها البلاد بعد الانقلاب العسكري في 2013؛ مما يشير إلي اعتزام السيسي للاصطدام مع أردوغان حال اكتمال قوته الضاربه، طبعًا بعد تأهيل الوسط السياسي والإعلامي لتلك الحرب.

تركيا تطور أسطولها

علي الجانب الآخر بدأت تركيا في تصنيع أول حاملة طائرات محلية عام 2016 والمتوقع أن يتم تسليمها في 2019، وتستطيع تلك الحاملة أن تستوعب ثماني طائرات إف 35 وست طائرات مروحية من طراز أتاك، وثماني مروحيات شحن ومروحتين سي هوك وطائرتين بدون طيار، بالإضافة لإمكانية حمل العشرات من الدبابات والمركبات الخفيفة والمدرعة داخل بطن حاملة الطائرات.

كما بدأت تركيا في صناعة أول فرقاطة محلية الصنع في عام 2017، ومن المقرر الإنتهاء منها بعد أربعة أعوام.

وقامت تركيا بالبدء في تصنيع خمس غواصات محلية من فئة بيري ريس عام 2017 والتي ستدخل الخدمة في 2020، كما تم الإنتهاء من بناء أربع سفن حربية محلية الصنع تحمل اسم كورفيت.

وبالرغم من تفوق البحرية التركية علي البحرية المصرية في عدد الغوصات والفرقاطات، إلا أن تركيا تعتزم زيادة قطعها البحرية بالاعتماد علي صناعة القطع البحرية بنسبة 100%.

وتحرص تركيا علي امتلاك منظومة صواريخ إس 400 الروسية مع نقل التكنولوجيا لهذا النوع من الصورايخ، في إطار نقل للتكنولوجيا للجيش التركي، ليكون قادرًا علي صناعة كافة أسلحتة بنفسه، لقطع الطريق أمام أي ابتزاز من أي قوي إقليمية.

وهو ما حدث من جانب أمريكا برفض قوي في الكونجرس تسليم طائرات إف 35 لتركيا، إلا أن تركيا كانت تشترك مع أمريكا في تصنيع قطع غيار أجزاء الطائرة مثل شاشات العرض في قمرة القيادة، والغلاف الخارجي وأبواب قسم الذخيرة والقنوات الهوائية؛ الأمر الذي دفع أمريكا للتراجع عن منع تسليم تلك الطائرات لتركيا.

متي تبدأ الحرب

كما لاحظنا فإن كلا الجانبين يسارع في التسلح بأسرع الأسلحة البحرية والجوية، في سباق تسلح خطير، حيث تصر تركيا علي أن قطاع الغاز في شرق المتوسط سيحولها من دولة مستهلكة إلي دولة مصدرة للطاقة، ويعدل من عجز الموازنة، حيث تستورد تركيا ما يوازي 20 مليار دولار سنويًا من المحروقات، الأمر الذي يشكل عبئًا علي الموازنة.

حقيقة الصراع

ربما يأخذ شكل الصراع بين تركيا ونظام السيسي شكل صراع المصالح، لكن المغزي الحقيقي للصراع هو محاولة الحلف الأوروبي الأمريكي الإسرائيلي منع الحكومة الإسلامية في تركيا من الحصول علي مورد هام للطاقة، لأن حصول تركيا علي موار كبيرة من الطاقة يحولها لروسيا أخري، لأن أوروبا لا تزال تعاني من سيطرة روسيا علي حوالي 40% من حجم واردات أوروبا من الغاز؛ الأمر الذي يشكل ضغطًا سياسيًا علي أوروبا في مواجهة روسيا.

وبانضمام تركيا لروسيا عن طريق مشروع السيل التركي وخط تاناب لنقل الغاز من وسط أسيا لأوروبا عن طريق استخدام الميزة الجغرافية لتركيا لتمرير غاز شرق المتوسط، أصبح الحلف التركي الروسي يسيطر علي أكثر من نصف واردات الغاز، وهو ما يشكل خطرا علي أمن الطاقة في أوروبا، طبعًا مع الأخذ في الاعتبار التهديد الأيديولوجي الذي تشكله تركيا كدولة مسلمة متقدمة على مشارف اوروبا، وما تشكله تركيا كنموذج ناجح وقابل للتكرار في دول الشرق الأوسط.

كما أن تحول تركيا لدولة مهمة في أمن الطاقة الأوروبي، من الممكن أن يجلعها تستغل تلك الورقة في الضغط علي أوروبا وأمريكا لتغيير دعمها الصارخ لإسرائيل وحلفائهم في المنطقة العربية، وربما يستطيع تقديم المزيد من الدعم لتيار الإسلام السياسي، وهو ما حدث مع حركة حماس في منتصف عام 2016، حيث قامت تركيا بدعم حماس بالمؤن والغذاء والموارد الطاقة مقابل موافقة تركيا علي نقل الغاز الإسرائيلي لأوروبا، وهو المشروع الذي تجمد لاحقًا لمنع أردوغان من استخدام تلك الورقة لصالح حركة حماس.

تري هل يستطيع أردوغان استخدام ورقتي الغاز وخاشجقي للضغط علي أمريكا وحلفائها في المنطقة وفرض الموقف التركي علي أرض الواقع؟ وهل سيضطر السيسي لتقديم التنازلات لتركيا مقابل وقف التصعيد ضد محمد بن سلمان الداعم المالي للسيسي؟

أم ستقدم أوروبا الدعم للسيسي في مواجهته لأردوغان؟

هذا ما سنعرفه في الأيام القليلة القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد