من الصفات الفطرية التي أودعها الله تعالى في جسم البشر جميعًا، هي غريزة حب السيطرة والهيمنة على الآخرين، والهيام في التحكم بشؤونهم، الخاصة والعامة، وفرض رأيه عليهم، وقيادتهم بالطريقة التي يهواها، وتوافق مزاجه، وتناسب عقليته، دون أي مبالاة برأي الآخرين، ودون اهتمام بأفكارهم، ولا اعتبار لعقولهم!

أخطر غريزة عند الإنسان

هذه الغريزة التي غرسها الله سبحانه في كينونة الإنسان، هي أهم وأخطر الغرائز طرًا، وتتجلى مظاهرها منذ الطفولة. ومراقبة سريعة على تصرفات وسلوك مجموعة من الأطفال، تجد أن كل منهم ينازع الآخر في زعامة هذه المجموعة والسيطرة عليها، وقد تشاهد أن واحدًا منهم ينجح في فرض سلطانه عليهم، ولو كان عددهم يبلغ العشرات!

وهذه الظاهرة موجودة بشكل عام عند كل الناس، ولكنها قد تكون نشيطة وقوية عند بعضهم أكثر من الآخرين، ومتحفزة ومتوثبة عند أقل القليل من الناس، وقد تترافق هذه الظاهرة مع استبداد قسري وإجباري، وباستخدام القوة، للخضوع عنوة وبالإكراه لسلطانهم، وهؤلاء يُطلق عليهم ما يسمى (المستبدون، والطغاة، والديكتاتوريون).

ما هو الاستبداد؟

الاستبداد في علم النفس، هو السلوك الذي يتضمن مظاهر مثل فرض إرادة الفرد، ليس عن طريق الحجة، ولكن بالقوة، ومظهر العدوان، واستخدام الانتقام، والإذلال، والعنف البدني، والجنسي.

في العادة يحاول المستبدون تدمير الثقة بالنفس لدى الشخص الآخر بشكل كامل، من أجل الحصول على المزيد من التأثير للسيطرة.

من المهم أن يستحوذ المستبد على كل الانتصارات لنفسه، وأن يعلق كل الهزائم على شريكه. (1).

والاستبداد لغة هو غرور المرء، برأيه والأنفة من قبول النصيحة، أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة.

ويراد بالاستبداد عند إطلاقه، استبداد الحكومات خاصة، وفي اصطلاح السياسيين.. هو تصرف فرد، أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة، وبلا خوف تبعة. (2).

العوام هم قوة المستبد، وقوته بهم، عليهم يصول ويجول، يأسرهم فيتهللون لشوكته، ويغصب أموالهم، فيحمدونه على إبقائه حياتهم، ويهينهم، فيثنون على رفعته، وإن نقم عليه منهم بعض الأباة، قاتلهم كأنهم بغاة.

والحاصل.. أن العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم، بسبب الخوف الناشئ عن الجهل، والغباوة. (3).

صفات وسمات المُستَبَد بهم

أما المستبد بهم (المقهورون) فيمكن أن يكونوا أناسًا ذوي سمات متباينة، ولكن يغلب أن يكون لديهم سمات ماسوشيه! بمعنى أن لديهم ميلًا لأن يتحكم فيهم أحد، وأن يخضعوا له، ويسلموا له إرادتهم، ويستشعروا الراحة! وربما المتعة في إيذائه لهم! وإذلاله إياهم، فلديهم مشاعر دفينة بالذنب، لا يخففها إلا قهر المستبد وإذلاله لهم، على الرغم مما يعلنون من رفضهم لاستبداده.

وهؤلاء المستًعبَدون ربما يكون لديهم معتقدات دينية، أو ثقافية تدعوهم إلى كبت دوافع العنف، وتقرن بين العنف والظلم، وتعلي من قيمة المظلوم، وتدعو إلى التسامح مع الظالم، والصبر عليه، وترى في ذلك تطهيرًا لنفس المظلوم من آثامه!

والشخصيات المستَعبَدة لديها شعور بالخوف، وشعور بالوحدة، لذلك يلجأون إلى صنع مستبد ليحتموا به، ويسيروا خلفه، ويعتبرونه أبًا لهم، يسلمون له قيادتهم، وإرادتهم، ويتخلصون من أية مسئولية تناط بهم، فالمستَبِد قادر على فعل كل شيء في نظرهم، وفي مقابل ذلك يتحملون تحكمه، وقهره، وإذلاله، ويستمتعون بذلك أحيانًا!

إذًا فالمستَبِد ليس وحده المسئول عن نشأة منظومة الاستبداد، ولكن المستَعبَدين (المستَبَد بهم) أيضًا يشاركون بوعي، وبغير وعي في هذا! على الرغم من رفضهم الظاهري للاستبداد، وصراخهم منه أحيانًا، ولا تزول ظاهرة الاستبداد عمليًا في الواقع، إلا حين تزول نفسيًا من نفوس المستَعبَدين حين ينضجون، ويتحررون نفسيًا ويرغبون في استرداد وعيهم، وكرامتهم، وإرادتهم التي سلموها طوعًا، أو كرهًا للمستبد، حينئذ فقط تضعف منظومة الاستبداد، حتى تنطفئ، وليس هناك طريق غير هذا. إذ لا يُعقل أن يتخلى المستبِد طواعية عن مكاسبه من الاستبداد، خاصة أن نمط شخصيته يدفعه دفعًا قويًا للمحافظة على تلك المكاسب الهائلة.

وإذا رأينا المستعبَدين (المستبَد بهم) ينتظرون منحهم الحرية من المستبِد، فهذه علامة سذاجة، وعدم نضج منهم، توحي ببعدهم عن بلوغ مرادهم، وتؤكد احتياجهم لمزيد من الوقت، والوعي، ليكونوا جديرين بالحرية، فقد أثبتت خبرات التاريخ، أن الحرية لا تُمنَح وإنما تُسترَد وتُكتسب. (4).

المُستبِدُ يصنعه الناسُ ومن حوله

قد يبدو للنظر القصير، أن مجموعة المحيطين بالمستبِد، ضحايا له، إذ يعانون من استبداده، ويتحملونه على مضض! وهذا صحيح من جانب واحد، أما الجانب الآخر، فهو أنهم شاركوا في صنع هذا المستبِد، بعضهم شارك بالأقوال، والأفعال التي ضخمت ذات المستبِد (كالمدح والثناء، والتبرير لكل صفات المستبِد، وأفعاله، والمشاركة في تنفيذ مشروعات المستبِد) وبعضهم الآخر، شارك بالصمت، والانكماش؛ مما سمح لصوت المستبِد أن يعلو على من سواه، وسمح لذاته أن تتمدد في الفراغ الذي انسحب منه الآخرون كرهًا أو طوعًا. (4).

حقًا وصدقًا إن هذا التحليل لرائع جدًا، في عرض نفسية الخانعين المتدنية، وفي إظهار سلوكهم الشاذ الغريب، المنحرف المنهزم، المنبطح تحت أقدام الطغاة، وتلذذهم في أن يطأ الطاغوت، رءوسهم ويحطمها تحطيمًا، ويفتتها تفتيتًا!

وهذه المواصفات النفسية المنحطة، المنغرسة في نفوس من يستمتعون بالذل والهوان بين يدي المستبِد! ويتعاطفون معه، بل ويدافعون عنه، ويفدونه بأرواحهم وأموالهم! أصبح يُطلق عليها في علم النفس الحديث (متلازمة ستوكهلم). (5).

وكلما زاد الناس في استخذائهم، واستسلامهم، وانبطاحهم، وخنوعهم، وخضوعهم للمستبِد – أيا كانت مرتبته أو وظيفته حتى ولو كان مدير مديرية صغيرة أو مدير مدرسة – كلما زاد شراسة، وطغيانًا، وتنمرًا عليهم، واستخفافًا بهم، واحتقارًا لهم، وزاد بطشه، واستبداده بهم. كما قال تعالى في وصف فرعون فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ. (6).

استنكار الإسلام الخنوع

ولهذا فإن الإسلام العظيم، يستنكر هذه السلوكيات المتدنية، المهينة! ويرفض رفضًا قاطعًا، الانصياع الأعمى لأوامر أي مسؤول كان، حتى ولو كان الخليفة!

ففي صحيح الجامع عن معاوية بن أبي سفيان: سَتَكُونُ أَئِمَّةٌ من بَعْدِي، يقولونَ، فلا يُرَدُّ عليهم قولُهُمْ، يَتَقَاحَمُونَ في النارِ كما تَقَاحُمَ القِرَدَةِ. (7).

عن معاويةَ وصعِدَ المنبرَ يومَ الجمعةِ فقالَ عندَ خطبتِهِ: أيُّها النَّاسُ إنَّ المالَ مالُنا، والفيءَ فيئُنا، من شِئنا أعطينا ومن شِئنا منَعنا، فلم يجبْهُ أحدٌ، فلمَّا كانتِ الجمعةُ الثَّانيةُ قالَ مثلَ ذلِكَ، فلم يجبْهُ أحدٌ، فلمَّا كانتِ الجمعةُ الثالثة قال مثلَ مقالتِهِ، فقام رجلٌ فقالَ: كلَّا إنَّما المالُ مالُنا والفيءُ فيئُنا، من حالَ بينَنا وبينَهُ حَكَّمناهُ إلى اللَّهِ بأسيافِنا. فنزلَ معاويةُ فأرسلَ إلى الرَّجلِ فأدخلَ عليْهِ فقالَ القومُ: هلَكَ، ففتحَ معاويةُ الأبوابَ ودخلَ النَّاسُ فوجدوا الرَّجلَ معَهُ على السَّريرِ فقالَ: إنَّ هذا أحياني أحياهُ اللَّهُ سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ يقولُ: ستَكونُ أئمَّةٌ من بعدي. يقولونَ فلا يُردُّ عليْهم قولُهم يتقاحمونَ في النَّارِ تقاحمَ القِردةِ وإنِّي تَكلَّمتُ فلم يردَّ عليَّ أحدٌ فخشيتُ أن أَكونَ منْهم ثمَّ تَكلَّمتُ الثَّانيةَ فلم يردَّ عليَّ أحدٌ فقلتُ في نفسي إنِّي منَ القومِ، ثمَّ تَكلَّمتُ الجمعةَ الثَّالثةَ فقامَ هذا فردَّ عليَّ فأحياني أحياهُ اللَّهُ فرجَوتُ أن يُخرِجَنيَ اللَّهُ منْهم فأعطاهُ وأجازَهُ.

المحدث: الذهبي | المصدر: تاريخ الإسلام، خلاصة حكم المحدث: حسن. (8).

عن علي بن أبي طالب، بَعَثَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَرِيَّةً، وأَمَّرَ عليهم رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ، وأَمَرَهُمْ أنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ عليهم، وقالَ: أليسَ قدْ أمَرَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ تُطِيعُونِي؟ قالوا: بَلَى، قالَ: قدْ عَزَمْتُ علَيْكُم لَما جَمَعْتُمْ حَطَبًا، وأَوْقَدْتُمْ نَارًا، ثُمَّ دَخَلْتُمْ فِيهَا فَجَمَعُوا حَطَبًا، فأوْقَدُوا نَارًا، فَلَمَّا هَمُّوا بالدُّخُولِ، فَقَامَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ، قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّما تَبِعْنَا النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فِرَارًا مِنَ النَّارِ أفَنَدْخُلُهَا؟ فَبيْنَما هُمْ كَذلكَ، إذْ خَمَدَتِ النَّارُ، وسَكَنَ غَضَبُهُ، فَذُكِرَ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: لو دَخَلُوهَا ما خَرَجُوا منها أبَدًا، إنَّما الطَّاعَةُ في المَعروفِ. (9).

التحذير النبوي من إمارة السفهاء

كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم، يحذر المسلمين أشد التحذير، من إمارة السفهاء، والمستبدين، والطغاة الذين سيأتون بعده، بألا يتبعونهم، ولا يصدقونهم، ولا يعينونهم على ظلمهم!

أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال لكعبِ بنِ عجرةَ أعاذَك اللهُ من إمارةِ السفهاءِ قال وما إمارةُ السفهاءِ قال أُمراءُ يكونون بعدي لا يهتدونَ بهديي ولا يستنُّونَ بسُنَّتِي فمن صدَّقَهم بكذِبهم وأعانَهم على ظلمِهم فأولئك ليسوا مني ولستُ منهم ولا يرِدُون عليَّ حوضي. (10).

عزة الإسلام وقوته

فالإسلام عزيز وقوي، ويربي أتباعه وأبناءه، ومن يدينون به، بأن يكونوا أعزاء، أباة، لا يقبلون الضيم، ولا يرضون بالظلم، ولا المذلة، ولا الخنوع – لأي طاغية أو مستبد – ويأخذون حقهم منه بالقوة، بكافة أشكالها وأنواعها، ابتداءً بالصدع بالحق بالكلام، فإن لم ينفع، واستمر الطاغية بالعناد، والإصرار على الظلم، والاستبداد، فيجب حينئذ استخدام السلاح، لإحقاق الحق، وقطع دابر الفتنة، وقطع رقاب الطاغية وأعوانه.

فإن لم تفعل الأمة هكذا.. فقد باءت بالخِذلان، وكُتِبَ عليها البؤسُ والشقاءُ وآل مصيرُها إلى الفناء، والموت، وكان عاقبتها الخُسران! كما قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر: إذا رأيتَ أُمتي تهابُ الظالمَ أنْ تقولَ لهُ : إنَّكَ ظالمٌ، فقدْ تُوُدِّعَ مِنْهُمْ.(11).

الخلاصة

إن ما نراه من تسلط الحكام على الشعوب المسلمة، وبغيهم، وطغيانهم، واستبدادهم، ونهب ثرواتهم، وإفقارهم، وظلمهم، ونشر الجهل بين صفوفهم، سببه الوحيد، هو خنوعهم، واستسلامهم، وخضوعهم!

وما فشل الربيع العربي، إلا بسبب الشعوب التي هاجت، وثارت بشكل عاطفي، ضد حكامها المستبدين، وظنت أن المظاهرات ليوم أو أكثر، كافية لإسقاط الأنظمة القمعية!

ثم حينما واجهتها بالرصاص، خمدت، وهمدت، وخاب ظنها، وتراجعت القهقرى إلى بيوتها، وانكفأت على نفسها، وخنعت، وخافت من المستبدين، علمًا بأن المستبدين أكثر خوفًا من الشعوب المقموعة، ودائمًا هم في قلق، وتوجس حتى من حراسهم، فيبيتون سهدًا! لا يعرفون لذة النوم الهانئ، ولا طعم الراحة النفسية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد