مما هو راسخ في أذهاننا بالضرورة عن أمر النجاح وأهله، أنه لن يحقق النجاح في أمر ما إلا الناجحون الطامحون، وأنه لا بد أن يكون الهدف الذي نسعى إلى تحقيقه واضح ومحدد ـ معلوم البداية والنهايةـ .

ولكن الحقيقة أن الثورات لها رأي آخر، يخبرنا تاريخ الثورات: أن الثورات التي كتب لها النجـاح وحققت أهدافها هي الثورات التي قادها أناس فاشلون محبطون منطوون على قدر كبير من التشاؤم، لا يعلمون من أمر غدهم شيئًا، ولا يملكون وصفـًا دقيقـًا لما يريدون، الذين لديهم القدرة على ركوب ـ المغمضة ـ وهو أمر غير واضح المعالم فهم من لديهم القدرة على أن يحلبوا الثورة بالساعد الأشد فيحققوا أكبر قدر من المـكاسب، الذين يتعاملون مع الأمور كما هي، فلا يحرجون من احتضان الأصدقاء ومن البصق على الأعداء ويقينهم أن الحيلة في أمرهم هي ترك الحيل.

تنجح الثورات عندما يقودها شباب أخرجهم الإحباط والفشل يريدون تغيير الواقع القائم بأية نتيجة لا يسألون عن البديل، فالواقع القائم هو مصدر الإحباط ومنبع التعاسة، فالحاضر في نظر المحبط أمر قاس لا يمكن معالجته فلذلك هو يهدف إلى نسفه تمامًا، وهذا أكبر معين لهم على تحقيق الهدف من تحركهم، فالشخص يحقق ما يريد عندما لا يكون لديه شيء يخسره، فهم يهدفون إلى هدم الواقع وهذا هو الهدف الرئيس، أما الخيارات والبدائل فهذه أمور ثانوية لا ينظر إليها في بداية الحركة وعنفوانها.

لماذا المحبطون هم الأجدر بتولي قيادة الثورات؟

يقول إيريك هوفر في كتابه «المؤمن الصادق»: «إن الإحباط في حد ذاته، ومن دون دعوة أو محاولة للاستقطاب من الخارج، يكفي لتوليد كل خصائص المؤمن الصادق».

فهناك علاقة كبيرة بين الفشل والإحباط وبين النزعة الثورية وما تنطوي عليه من حماسة وشجاعة ورغبة حقيقية في التغيير كما يصورها كذلك توفيق الحكيم في كتابه «عودة الروح».

على النقيض من ذلك نجد أن الشخص الحالم الناجح الراضي عن نفسه هو أبعد الأشخاص عن الثورة، وعندما يلحق بالثورة هو أقرب الأشخاص إلى إفشالها، فهو يجنح بها عادة إلى الحلول الوسط، ومتى لجأت الثورة إلى الحلول الوسط تكون قد حفرت قبرها بيدها، إن الأشخاص الراضين عن أنفسهم يرون هذا العالم طيبًا ويحاولون المحافظة عليه، ولكن الأشخاص المحبطين فيريدون تغييرًا جذريًّا، ولا خيار لهم غير ذلك، لأنهم يرون عالمهم الحالي هو مصدر كل الشـرور.

ظن الناس أن النخبة من المثقفين والأكاديميين والحقوقيين وقيادات الأحزاب هم الأقدر على قيادة الثورة والحقيقة أن هذا الكلام وهم كبير، والمثير للشفقة والأسى أننا ما زلنا نرقد على بيض الأوهام والدجل منتظرين الخلاص على يد النخبة، ومازلنا نقف بتبتل يصل إلى درجة العبادة بين يدي الأكاديميين والمهنيين وقيادات الأحزاب، ناسين أن هؤلاء هم من أورد الثورات المهالك ومزقوها أباديد فاخترمتها الحتوف، بعد أن تقلبوا في أحضان أعداء الثورات فأضحت الثورات بعد أن كانت كالأسد الجسور آل بها الحال فصارت كثور يحني ظهره بخضوع انتظارًا لضربة فأس، فهؤلاء قد تنادوا مصبحين لجني ثمار الثورات قبل أن تكتمل، ودخلوا بها في متاهات المواءمات والصفقات والمحاصصات، وكانت النتيجة أن أصبحت الثورات كالصريم وضاعت مكتسباتها هباء وفشلت فشلاً أصلع.

لا يستطيع أحد أن ينكر دور النخبة والمهنيين في قيادة الشعوب والصعود بها إلى طور التقدم والرخاء، ولكن في أمر الثورات فغير، يأتي دورهم قبلها تمهيدًا لها وبعد نجاحها للبناء وإصلاح ما أفسدته النظم القديمة.

يذكر إيريك هوفر في كتابه «المؤمن الصادق»: «أن الثورات الناجحة تمر بثلاث مراحل.

المرحلة الأولى: مرحلة رجال الكلمة، وهم المثقفون الذين يمهدون للأمر ويعبدون الطريق من خلال نقد النظام القائم والسخرية منه ووضع أيدي الناس على مناطق الضعف لدى النظام.

المرحلة الثانية: مرحلة المحبطين، وهم من يشعلون الثورة ويقودون الحراك.

المرحلة الثالثة: بعد أن تنجح الثورات وتقضي تمامًا على النظم القديمة، يأتي دور الرجال العمليين ذوي الكفاءة الحالمين الباحثين عن النجاح، فيشرعون في البناء على أرض ممهدة خالية من الأشواك والحراشف».

فيمكننا القول إن الثورة يبدأ دخانها عند رجال الكلمة من النخبة، وتصل إلى حد الاحتراق بيد المحبطين.

بيد أن الفترة التي يجب أن يقود فيها المحبطون الثورة يجب ألا تطول، فالدواء لو زادت جرعته لاستحال سُمًّا، ولكن لا بد أن يكونوا هم الطليعة الأولى أثناء منازلة الأنظمة القديمة، فهم أكثر إخلاصًا للثورات، فهم يغذون الثورات بدمائهم كما يغذي طائر البجع صغاره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد