أرسل لي أحد الأصدقاء يومًا رسالة تحتوي على صورة لمنشور كتبه أحدهم يتحدث فيه عن أهمية السعي في الحياة، وأن الجزاء الذي ستحصل عليه لا يعتمد على مقدار ذكائك، ولا على براعتك في التخطيط، ولكن على عدد المحاولات وقدرتك على السعي المستمر.

الرسالة في ظاهرها تحتوي على الكثير من المعاني الجميلة، ولا سيّما أن الله عز وجل قال في كتابه الجليل: «وأن ليس للإنسان إلّا ما سعى».

ولكن الرسالة استوقفتني بشدة وجعلتني أتساءل عن ماذا يقصد بكلمة «السعي»؟ فسألت صديقي عن ذلك، فكان ردّه أن السعي هو الاجتهاد في العمل، وتحمل مسئوليته والالتزام بها.

الإجابة لأول وهلة لا يوجد بها ما يختلف عليه، لكن أول ما جاء في ذهني حين قراءتها قول الله عز وجل «الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا».

الله عز وجل وصف ما يفعلونه بأنه سعي، بل إن السعي الذي يقومون به ربما يساوي أضعاف ما يقوم به غيرهم، ومع ذلك لم ولن ينفعهم هذا السعي، وسيجدون كل أعمالهم في النهاية هباءً منثورًا.

هل معنى ذلك أن النجاح غير مرتبط بالسعي؟ ليس كذلك على الإطلاق، فالنجاح لن يأتي إلّا لمن يجتهد ويسعى، أمّا الكسالى المتواكلين فليس لهم نصيب، لكن السعي وحده ليس هو العنصر الوحيد في المعادلة وهذا ما أريد الحديث عنه هنا، إذا لم تعرف أين تذهب فكل الطرق تفي بالغرض.

إذا ذهبت إلى محطة قطار أو موقف للسيارات ولم تكن تعرف وجهتك، واعتمدت على منطق السعي المطلق فما ستقوم به هو أنك تستقل أحدى السيارات دون أن تعلم وجهتها مسبقًا، أو الاحتمال الآخر الأشد خطورة أن تذهب حيث يذهب الجميع، فالجميع لن يذهبوا إلّا للخير والفلاح، أليس كذلك؟

تخيّل أحدهم أراد أن يفتتح المشروع الخاص به، ويصمم منتجًا يقدمه للناس، ولكنه لا يعلم ما الذي يريده بالضبط من هذا المنتج وإلى من سيقدمه، ولكنه قال في نفسه لا يهم كل هذا، المهم أن الناس ستشتري منتجي بالتأكيد فقد اجتهدت في عملي، فهل تظن أن الناس ستشتري منه؟ لا بد أن من سيشترى سيندم بعدها بكل تأكيد.

أن تظل واقفًا لدقائق خيرٌ من أن تتحرك في الاتجاه الخاطئ لأيام

مما تعلمناه جميعًا من محاضرات التحفيز أنك يجب ألّا تتوقف عن الحركة، فعليك أن تحرّك في أي اتجاه وستصل حتمًا، تحرّك ولا تترك نفسك للسكون، فالسكون سيضيع وقتك.

أليست الحركة في اتجاه خاطئ هي عين تضييع الوقت؟! في الفيزياء تعلمنّا مفهوم الطاقة، وأن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من العدم ولكن تتحول من صورة لأخرى، تتفق معي أليس كذلك؟

يقال للجسم في حالة السكون أنه يمتلك طاقة كامنة بداخله تسمى طاقة الوضع، تتحول هذه الطاقة إلى طاقة حركة عندما يتحرك الجسم، مما يعني أن السكون لا يعني أنه لا يمتلك طاقة على الإطلاق.

الماء أعلى الشلّال يظل ساكنًا حتى الحافة، وبعدها يندفع بشدّة إلى الأسفل.

دخل الجنة ولم يسجد لله سجدة!

لعلّك قد سمعت بقصة هذا الصحابي من قبل، أسلم وقبل أن يتمكن من الصلاة والسجود لله عز وجل أذن مؤذن الحرب واستشهد في المعركة وبُشّر بالجنة!

وعلى الجانب الآخر هناك من قضى جلّ عمره في العبادة، أو هكذا كان يظن، ولكنه اكتشف أن ما كان يفعله هو عين الضلال.

ما هي وصفة النجاح إذن؟

ليس هذا ما أريد عرضه في هذا المقال، لكن الأمر الذي يجب أن نعيد فيه التفكير هو اعتماد النجاح على مجرد السعي فقط، النجاح لن يتم بدون سعي، ولكن السعي هو مجرد عنصر من معادلة تحتوى كثيرًا من العناصر الأخري، بل ربّما نقول أنه نتيجة لمجموعة عناصر أخرى، ولكنّها ستكون فرضية ضعيفة.

خلاصة الأمر أن السعي يمثل صورة واحدة من صور الطاقة في هذه الحياة، لها معادلاتها الخاصة، وحصر الطاقة في هذه الصورة فقط، بتلك المعادلات فقط به كثير من قصور النظر.

قد تتفق أو تختلف معي في هذا المقال أو في أجزاء منه، ما أريده منك أن تشارك معي رأيك وقناعاتك تجاه هذا الأمر، فربمّا أكون مخطئًا في النهاية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد