نُحبّ قَصَص الناجحين الذين تحدّوا كل الصعوبات، وذلّلوا جميع العقبات، بدؤوا من الصفر ووصلوا إلى اللانهاية وما بعدها. نستجلب الإلهام من هذه القصص ونستحثّ أنفسنا على الاقتداء بهم والسير في آثارهم لعلّنا نصل إلى ما وصلوا إليه.

وهكذا يخطرُ في بالنا فورًا حين نسمع عبارة «قصة نجاح» أنها قصّة فشل متكرّر وإصرار لا ينقطع. ونَغفل تمامًا عن الجانب الآخر من هذه القصّة المؤثّرة: جانب الحظّ. نعم لا بدّ لمن وصل لأعلى النتائج وحقّق أكبر طموحاته وغيّر وجودُه هيئة كوكب الأرض أن يتغلّب على عقَباتٍ لا يقدر عليها سوى رجل يليق بهذه المكانة، ولكن لا بدّ أيضًا أن توفّرت له فرص كثيرة، وكان الحظّ إلى جانبه مرّات، كما كان على الجانب الآخر مرّات. وفيما يلي تفصيل ذلك.

وسنستند في تحليلنا في السطور التالية بالإطار الفكريّ الذي قدّمته لنا هذه الحلقة الصوتية بعنوان قصة النجاح. ويمكنك الاطّلاع عليها لمزيد من التفاصيل.

أفضليّة غير مُستحقّة

ونعني بها أفضليّة لك لم تجتهد في استحقاقها أو اكتسابها. مثل الموهبة في الرّسم أو أي مجال آخر. أن تكون موهوبًا هو شيء ليس لك فيه فضل. ودعنا نفهم أكثر ببعض الأمثلة من واقعنا:

في حوارنا مع رائد الأعمال اليمني عماد المسعودي أجاب بكلّ شفافيّة عن دور الأفضلية غير المستحقة في تميّزه. فوالد عماد أستاذ جامعيّ، أي أنّه شخص متعلّم ومثقّف. بينما كان كثير من زملائه مولودين لأبوين غير متعلّمين. فكان لثقافة أبيه دورٌ في تنشئته.

كما أنّ عماد حاصل على الجنسية الأمريكية لأنّه ولد فيها، فساعده ذلك على السفر بسهولة من اليمن إلى أمريكا ومصر، وأخبرنا أنّه لو لم يكن معه سوى جواز السفر اليمنيّ لرُبّما لم يستطع الخروج من اليمن!

أسرة عماد من الأسر فوق المتوسّطة من الناحية المادّية. استطاع والده أن يشتري جهاز كمبيوتر في وقت كان من النادر أن يملكه أحد. وكان مؤلّفًا للكتب ويطلب من عماد مساعدته في كتابتها على الكمبيوتر؛ فتدرّب عماد على الكتابة السريعة وفتحت له مجالًا مهمّا بعد ذلك هو مجال البرمجة.

لاحظ أنّ كلّ هذه الفرص والعوامل لم يكن لعماد أيّ فضل في وجودها، وهذا ما نعنيه بأنّها غير مستحقّة. ولكن كان لها أثر كبير في حياته مستقبلاً، وأسهمت بشكل أساسيّ في تقدّمه ونتائجه الحالية.

القُدوة في العمل المُجدي

نوع آخر من الحظّ الذي قد يتوافر للإنسان هو القُدوة في العمل المُجدي. العمل المجدي هو عمل تتوافر به ثلاثة عوامل:

١- معقّد. أي أنّه يتطلّب أنواع متعددة من المهارات.

٢- الذّاتيّة. أي أنّك تملك الحريّة في اختيار الطريقة التي تصل بها إلى أهداف العمل، مثل رجال المبيعات أو روّاد الأعمال.

٣- العائد يتناسب مع المجهود. أي أنّك إن لم تعمل، لن تكسب مالًا، وإذا بذلت مجهودًا أكبر سيزيد ربحك. مثل رجال الأعمال.

في حوارنا مع مصطفى النحوي، رائد الأعمال المصري، أخبرنا أنّه في طفولته كان أبوه يصطحبه معه إلى مصنع القماش الخاص به ليقضي يومه في اللعب على جهاز كمبيوتر، وعندما كبُر قليلًا كان والده يطلب منه أن يعدّ المال، ثمّ عندما أصبح شابًّا كان يساعد والده في التجارة ويقوم بمعاملات مع الموزّعين ومورّدي الخامات.

هذه القدوة في حياة مصطفى منذ طفولته أثّرت في رؤيته عن العمل. كان ينظر إلى والده فيرى نتيجة المجهود الذي يبذله في عمله تنعكس على حياتهم مباشرةً؛ فاستطاعوا أن ينتقلوا من سكنهم الأساسي في مدينة صغيرة إلى السكن في حيّ أكبر وأرقى، وأصبح عندهم مصنع أكبر في مكان أفضل.

وهكذا تؤثر القدوة في العمل المجدي في حياة الأطفال والشباب الذين يملكون هذا الحظّ من الحياة.

وَقَفات هامّة

لاحظ أنّنا لم نستطع أن نستخرج هذه الدروس إلّا بعد حوارات عديدة مع شخصيّات متنوّعة، يمكنك أن تتعرف عليهم جميعًا من خلال البودكاست. وقد تتشابه أنواع الفرص لبعض منهم، ولكنّها بالتأكيد لا تجتمع في واحد، ولا يتشابهون جميعًا في واحدة.

أنا مؤمنٌ بأنّ الفرصة متاحة للجميع على حد سواء؛ لأنّ الله لا يترك شخصًا أيًا ما كان بدون فرصة للتقدّم وتحقيق الذّات. ولكن قد يقصُرُ نظرُنا عن رؤية هذه الفرصة نتيجة فكرنا المحدود أو تضييقنا على أنفسنا، فنركّز مثلًا على الجانب المادّي ونقول ليس معنا المال فلا يمكننا أن ننجح، أو الجانب الاجتماعي فنقول لو أنّنا في جامعة كذا أو مولودون في مجتمع كذا لكنّا نجحنا، أو نركّز على جانب القدوة والأهل فنقول أنَّى لنا أن ننجح ونحن مولودون لأسرة بسيطة غير متعلّمة.

كل هذا قُصور في فكرنا نحن، وليس قصورًا في فرصتنا.

تعظيم الفرصة

كما علينا أن ننتبه أيضًا أنّه كان من الممكن أن تكون حياة عماد ومصطفى مختلفة تمامًا عن حياتهم الحالية لو لم ينتبها إلى وجود هذه الفرصة ولو لم يعملا على تعظيمها واستغلالها. لم يكتفيا بوجود الفرصة فقط. بل انتبها إليها وعظّماها. عملا على تقويتها. وهذا في الحقيقة هو السبب الأكبر في نجاحهما، وليس فقط تواجد الفرصة في حياتهما؛ فقد علمنا أنّها موجودة عند جميع الناس. فالفارق الأساس هو الانتباه إليها والعمل على تعظيمها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد