دائمًا ما كنا نسمع الحديث: «عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنتي، ولن يتفرّقا حتى يردا على الحوض»، هذا الحديث ضعيف، ففيه صالح بن موسى الطلحي وهو متروك.(1)

وفي حديث مروي عن الترمذي: «وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي»(2) وهذا حديث صحيح.

ولا أعرف حقيقة لماذا يفسر البعض قول الرسول «ما أنا عليه وأصحابي»؛ أي نعيش بمثل حياتهم وطريقتهم، فيقولون إن أفضل طرق الحكم في كل زمان ومكان هو الخلافة!

لو أتينا إلى طرق تولية الحكم في الخلافة الإسلامية نجدها تختلف؛ فبينما تمت مبايعة أبي بكر الصديق في سقيفة بني ساعدة عدا الصحابي سعد بن عبادة، فإن أبا بكر الصديق قد عهد إلى عمر بن الخطاب بالخلافة من بعده، وهذه طريقة تختلف عن طريقة مبايعة أبي بكر الصديق.

وعند وفاة عمر، فقد جمع سبعة من الصحابة، وطلب منهم ترشيح أحدهم، فرشح الستة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهذه طريقة تختلف تمامًا عن سابقتها!

لو أتينا إلى زمن قيام الدولة الإسلامية، نجد أن النظام قد كان نظامًا ملكيًا؛ فقد كانت أكبر إمبراطوريتين آنذاك هما: فارس، والروم ملكيتين، فأتى الإسلام وفق بيئة ذاك الزمان، فأتى بنظام تتمحور فيه السلطة بيد «الخليفة» أو «الإمام»، ولكن الملاحظ أن القرآن والسنة لم يحددوا طريقة نظام الحكم «الإسلامي»، والملاحظ أن القرآن الكريم وضع للحكم الإسلامي ثلاثة أصول: العدالة، والشورى، والطاعة لأولياء الأمور.

وفي جانب العدالة نجد الآيات التالية:

قال تعالى: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} (سورة النساء: 58).

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (النساء: 135).

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة: 8).

وقال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (الأنعام: 153).

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (النحل: 90).

وفي جانب الشورى، يقول الله في القرآن:

قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران: 159).

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (الشورى: 38).

وكما هو ملاحظ، فإن هناك سورة كاملة في القرآن تتحدث عن الشورى، لما لها من أهمية في تبادل الأفكار، والاستفادة من الخبرات.

وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الشورى:

1- عن أبي هُريرة – رضي الله عنه – قال: «ما رأيتُ أحدًا قطُّ كان أكثرَ مشورةً لأصحابِه من رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم»؛ رواه الشافعي.

2- وعن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – قال: سئل رسول الله – صلَّى الله عليْه وسلَّم – عن العزْم، قال: «مشاورة أهل الرأي، ثم اتِّباعهم»؛ رواه ابن مردويه.

3- وعن أبي هُريرة – رضي الله عنه – عن النَّبيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: «المستشار مؤتمن»؛ رواه أبو داود والترمذي.

4- وعن جابر – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: «إذا استشار أحدُكم أخاه، فليُشر عليه»؛ رواه ابن ماجه.

وفي جانب طاعة ولي الأمر يقول الله في القرآن:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (النساء: 59).

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (محمد: 33).

فالشاهد من هذه الآيات هو أنه لا يوجد لا في الكتاب، ولا في سنة رسول الله ما يدل على أن الخلافة صالحة لكل زمان ومكان، فلماذا يرفع بعض الإسلامويين شعارات رنانة طنانة باسم «خلافة على منهاج النبوة». يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «على ما أنا عليه وأصحابي»؛ أي الكتاب والسنة، لا أن نعيش مثل عيشتهم فوق الحصير، وأن نمنع التلفزيونات، أو نكفر المشاركين بالانتخابات النيابية. ولو كان ما تقولونه صحيحًا حول أن الحكم موجود في القرآن والسنة، فلماذا اختلف الصحابة بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو كانت طريقة الحكم في الكتاب والسنة، فلماذا تعددت طرق اختلاف الخليفة؟ ولماذا تقاتل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؟ ولماذا نمدح الدولة الأموية التي اتخذت نظامًا ملكيًا يعتمد توريث الأبناء؟ ألا تقولون إن الحق واحد، وهو النور، لهذا ذكر الله النور مفردًا، لأن الحق نور، والحق واحد لا يتجزأ؟ أما الظلمات فمتعددة؟

قد يقول قائل إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «… ثم تكون خلافة على منهاج النبوة»، وهذا يعني أن الخلافة هي الحل لمشاكلنا!

روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: كنا جلوسًا في المسجد فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء، فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته. فجلس أبو ثعلبة.

فقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت. قال حبيب: فلما قام عمر بن عبد العزيز، وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته، فكتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه. فقلت له: إني أرجو أن يكون أمير المؤمنين – يعني عمر – بعد الملك العاض والجبرية، فأدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فَسُرَّ به وأعجبه.

ونرد على هذا المقال بقولنا إن معنى (خلافة) يعني أن يخلف شخص غيره؛ أي ولدك يخلفك أنت، فنقول أولئك سلف، ونحن خلف. فذكر الرسول أممًا قبلنا تحكم بأنظمة ملكية، وسوف تخلفها أمة تحكم بحكم الشريعة الإسلامية، ولا يشترط نظام الخلافة الذي كان سائدًا آنذاك.

إذن فإن تلك الشعارات الرنانة الطنانة التي تهز المشاعر باسم «خلافة بطريقة القرون الثلاثة الأولى» ليست سوى شعور عصابي يأبى أن يعيش واقعه، ويريد أن يعيش في أيام مجد قد مضت، ولا يريد أن يعمل عقله من أجل العيش بواقعه، والخروج من المستنقع الذي يعيشه، وعلى المقابل من هؤلاء نجد أولئك العصابيين أيضًا الذين لا يريدون سوى أن يرتموا إلى أحضان الموجة السائدة، فيريدون تطبيق العلمانية بصيغتها الغربية بحذافيرها، أو بصيغة أخرى يريدون تطبيقها «حذو القذة بالقذة»!

____________________________________________________________________________________________________________

المصادر المرقمة:
1- تقريب التهذيب ج1، ص433.
2- سنن الترمذي، الحديث رقم (2641).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد