مع حلول الثالث من مارس كل عام، وفي ذكرى إلغاء الخلافة الإسلامية، بعد رحلة استمرت ثلاثة عشر قرنا، يطغى الحنين والأسى دوما على كلمات الكثيرين، تظهر رغبتهم الطاغية في استعادة هذا الكيان الذي – لاندثاره منذ أكثر من عشرة عقود – لم يعاصره أبدا أي من هؤلاء المنادين بعودته.

 

على الجانب الآخر يصطف فريق كامل من أعداء الخلافة، تلك الفكرة التي يلفظها هذا الفريق بمجرد ذكر اسمها فقط، دون التطرق لتفاصيلها أو مستقبلها. ينخرط كارهو الخلافة في معارك ضارية مع مؤيدي عودتها، يتبارى الفريقان: أحدهما في تصيد أخطاء تجارب الماضي، و الآخر في التبشير بأمجاد المستقبل، دون اهتمام الطرفين بنقاش فكري حقيقي عن ماهية ما يختلفان فيه.

 

هل حقا قدمت الخلافة للإسلام والحضارة ما يبرر المطالبة بعودتها؟ حتى وإن كان لها الفضل – كنظام حكم – فيما وصل إليه المسلمون يوما ما، فهل تظل خيارا مطروحا يتواكب مع طبيعة العالم الآن ومتغيراته؟ ثم هل يمكن أن ننعت أصلا الدولة الأموية والعباسية والعثمانية بالخلافة؟ وإن كان لنا أن نسبغ عليهم عباءة الخلافة، فهل يرغب مناصرو فكرة إحياء الخلافة في استنساخ هذه الدول مرة أخرى بما ارتكبوه  من أخطاء؟ هل هناك تصور آخر عصري في أدبيات الإسلاميين أو دراسات مفكريهم يجعل من الخلافة حلما ورديا وهدفا يُسعى خلفه؟

بالتأكيد تدور هذه الأسئلة بخاطر رافضي عودة الخلافة، ينظر هؤلاء إلى الحضارة الإسلامية وإنجازاتها بمعزل عن الخلافة أو الجانب العقائدي فيها، يُرجعون التفوق الإسلامي لأسباب دنيوية بحتة لا دخل للدين فيها. تفوق الأمويون عسكريا لأن الفرس اندحروا والروم تقهقروا، ازدهرت الحركة العلمية في العصر العباسي، رغم ظهور دويلات ربما لا تدين كلها لبغداد بالولاء، وحتى الأندلس صاحبة الصورة الوردية المبهرة لم تنعم بالاستقرار السياسي كثيرا، ولم تكن جزءا من خلافة المشرق، إلا قرابة أربعة عقود، فأنى للخلافة أن تكون سببا في بزوغ نجم قرطبة!

 

يثور الإسلاميون كثيرا حين تصل هذه الكلمات إلى مسامعهم، يملؤهم الغضب وينبرون مدافعين عن الخلافة، مفندين الأفكار السلبية التي تم طرحها عنها. يرتحلون إلى الماضي؛ باحثين عن أفضل اللوحات التي رسمتها دول الخلافة المختلفة، يجمعون زهرة من بستان الراشدين مع أخرى من حديقة الأمويين، عدل الفاروق وعظمة عبد الرحمن الناصر، زهد عمر بن عبد العزيز وقوة هارون الرشيد وشجاعة الداخل وهيبة القانوني، لكن الشيطان دائما ما يكمن في التفاصيل، ولهذا فلن يتطرق هؤلاء كثيرا لهذه التفاصيل، سيتظاهرون، إما بعدم أهميتها، أو بإدعائها وكذبها.

لن يذكر أحدهم المجازر التي أقامها العباسيون للأمويين، حين يأتي ذكر قاهرة المماليك سيتناسى الجميع أن أي مجد تحقق حينها لا دخل للخلافة فيه؛ فقد كانت الخلافة حينها اسمية لا فعلية. أما العثمانيون فستطغى فتوحات القانوني على أخطاء بضعة وعشرين خليفة جاءوا من بعده، وستتردد أسطورة جمعية الاتحاد والترقي وأتاتورك الذي أسقط الخلافة، دون الحديث عن الأسباب الحقيقية التي قادت لهذا السقوط ومهدت له، ربما قبلها بأكثر من قرنين.

 

لكن، ومع كل هذا، هل كانت تجربة الخلافة فاشلة؟ أو بصورة أخرى: هل حال المسلمين ودولتهم – التي صارت دولا ثم دويلات – أحسن حالا الآن؟ هل استطاع ملك المغرب تحرير الأقصى؟ هل استطاعت مصر إعانة سوريا، كما فعلت قديما، يوم أن كانتا دولة واحدة؟ وهل أمدت الحجاز الصومال بالمال والغذاء، كما كانت الصومال تفعل دوما منذ عدة قرون؟ إجابة كل هذه الأسئلة تخبرنا بأن كارهي الخلافة، إنما يستندون في كرههم ورفضهم إلى حيثيات واهية إلى حد كبير، حيثيات ترجع وجاهتها المزعومة فقط لضعف حجة الإسلاميين والخلل الواضح في تصورهم للخلافة المستقبلية، بل يبدو أن المشكلة الرئيسة التي يتجاهلها الطرفان، والتي تمس منهجيتهما بصورة كبيرة هي توصيف القضية نفسها قبل الخوض في الدفع، إما بصحتها أو بطلانها، السؤال الذي ينبغي أن يجيبه الطرفان أولا هو: هل الخلافة غاية أم وسيلة؟

 

سيجيب الإسلاميون عن هذا السؤال بأنها غاية، هي بشرى بشرنا إياها رسول الله – عليه الصلاة والسلام – ونحن في انتظار تحقيقها، خلافة على منهاج النبوة كخلافة الراشدين التي دامت فقط ثلاثين عاما، والتي انقطعت بعدها لألف وثلاثمائة عاما. ألف وثلاثمائة عاما لم نظفر فيها بالكثير من الخلفاء أشباه الراشدين، وحتى من استحقوا أن تزين أسماؤهم صفحات المجد الإسلامي، لم يسلموا من بعض الزلات التي لا ضير نظريا في ذكرها، لكن الحديث عنها يطعن قليلا في سلامة الفكرة والغاية، فضلا عن غياب أية أفكار أو رؤى تتحدث عن الوسيلة لبلوغ هذه الغاية.

 

الفريق الآخر بزعامة العلمانيين – والذي يضم في صفوفه فئات بعضها يحمل الأيدولوجية الإسلامية – يؤمن بأن الخلافة ليست غاية، ولا حتى وسيلة، هم لا يؤمنون أصلا بأن ما تحقق في الماضي من حضارة إنما يعود فضله إلى الخلافة، بل إن أكثرهم لا يعتقد أصلا بعظمة ما تحقق في الماضي، ينعت الفتوحات الإسلامية بالاحتلال، ويمحو إنجازات الخلفاء مع أول زلة لأي منهم.

يزعم هذا الفريق أن الفكرة لم تعد صالحة، إن جاز أن نفترض صلاحيتها قديما، لكن هؤلاء لا يقدمون حلا بديلا أو تصورا مقنعا، لا للغاية التي يطمحون لها، ولا للوسيلة التي يرغبون في إنتهاجها لتحقيق هذه الغاية.

ربما يخطئ الإسلاميون حين يقدمون تصورا منقوصا قاصرا لشكل الدولة التي يرومون الوصول إليها، لكن رؤية العلمانيين تبدو أكثر قصورا. يبدو أن غايتهم فردية، لا تضع المجتمع أو الدولة ضمن أولوياتها، يتحدثون عن الحرية المطلقة، ويدفعون بأن هذه الحرية حتما ستؤدي إلى الحضارة، متجاهلين عشرات الدول الأوروبية والأمريكية التي تنعم بهذه الحرية، لكنها تقبع في ذيل الأمم.

 

ستظل هذه الحرب مستعرة، سينتظر الإسلاميون كثيرا حتى ينعم الله علينا بخلافة آخر الزمان، والتي حين تأتي ستكون النهاية قد حانت، وسنكون قد أنفقنا عمرنا دون عمل انتظارا لتحقيق البشارة، سيتغنى العلمانيون بالحرية والإنسانية التي يجب أن تسمو فوق الأديان والعقائد، دون النظر إلى أسطورة عودة الخلافة التي عفا عليها الزمن، سيدّعون أن الحياة ستكون أفضل كثيرا هكذا، لكنهم سينتظرون كثيرا أيضا، ولن تصبح الحياة أفضل، ولن تدوم هذه الحرية أو الإنسانية، طالما تعارضت مع سنن الله وشرائعه. وسيبقى مفهوم الخلافة التي أؤمن أنا به نبراسا لمن أراد ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة. سيبقى كل منا خليفة في أرضه، يعمرها وينشر فيها دين الله، وستبقى الخلافة بمفهومها السياسي حلما أتمنى أن يرزقنا الله تحقيقه، حلم وحدة إسلامية لا تشبه قصص الماضي بالضرورة ولا تلتزم بإطارات التاريخ، خلافة لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، خلافة لن تكون وردية تماما، كما لم تكن سابقتها، ولن تكون كارثية كما يتصورها رافضوها. خلافة بشرية تماما!

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الخلافة
عرض التعليقات
تحميل المزيد