يبدو أن الانطلاق من الآية القرآنية: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) البقرة 30,  في الفكر الإسلامي القديم وما أنتجه من تراث قد تراوح بين فهم صحيح ودقيق لمراد تلك الآية وتحقيق الوظيفة الحقيقية للإنسان في الحياة (وهو ماحدث فعلا في فترة االنهوض الحضاري للأمة من عصر الرسالة، وعلى فترات مضيئة في التاريخ الإسلامي) وبين والوقوع في الإرباك الفكري والسياسي في بعض الأحيان، وخاصة في فترة (الفتن والملك العضوض).

وعند تتبع مفهوم (الخلافة ) في الفكر الإسلامي القديم والمعاصر يكاد ينحصر في مفهوم (الحكم /الإمامة / الحاكمية) وآلية تنصيب (الخليفة ) أو (الإمام) وطاعته وخلعه وما يتفرع عن ذلك من أحكام فقهية طغت على المعنى الحقيقي لمفهوم (الخلافة/الاستخلاف) ثم ما لبث الفكر الإسلامي أن دخل في دوامة (إن الله ليزع بالسلطان ما لايزع في القرآن)* وبذلك أصبح المفهوم الوحيد (للخلافة) هو (الحكم )، وابتعد الناس عن المفهوم الأساسي (للخلافة والاستخلاف)، وهذا أدى إلى حدوث خلل كبير في الفكر الإسلامي السياسي والحركي على حد سواء، وخاصة عندما رسخت الأدبيات الإسلامية (شكل) الدولة في أذهان المجتمع الإسلامي على أنها (شكل مقدس) لا يجب أن يمس بطريقة أو أخرى.

وبذلك اقترب المفهوم عندنا من مفهوم الدولة (الثيوقراطية) التي كانت تحكم باسم (الإله) في العصور الكنسية الوسطى, كل ذلك يتطلب منا العودة إلى مفهوم (الخلافة /الاستخلاف) ومناقشته بموضوعية، وانطلاقا من فهم للمقاصد القرآنية؛ لعلنا نقف على حقيقة الوظيفة التي حلقنا الله من أجلها, ولكي يحصل ذلك لابد من الوقوف عند الآيات التي تناولت ذلك المقصد، ومنها بجانب آية سورة البقرة قوله تعالى:(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات 56، وقوله:(يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)ص 24، وقوله:(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)النور 55.

وعدد من الآيات التي تتناول تحقيق الوظيفة التي أرداها الله تعالى من بني آدم، وهي (بالجملة مقاصد القرآن) المتمثلة في (التوحيد/العدل/الحرية/العمران/التنمية/التزكية..) فالخلافة هي عبادة أصلا، وغاية تلك العبادة هو تحقيق الإنسان المتوازن في سلوكه وفكره وعمله وإنتاجه، فهو قد كلف بوظيفة لابد له من القيام بها، ويعتمد مدى نجاحه على القيام بهذه الوظيفة مقدار ما تمثله للأفكار والقيم والأخلاق التي يريدها منه من استخلفه (الله جل في علاه) وليس إلزام الآخرين بما يريد الله منهم، فالقاعدة: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ…)البقرة 256 تعد الأساس الذي ينبي عليه مفهوم (الخلافة/الاستخلاف) من خلال تحققها بمقصد (الحرية) الذي كفله الله للناس، ولم يتعبدهم بالإكراه.

إذن فالخلافة والاستخلاف لم تكن يوما (محصورة) في الصورة الضيقة التي رسمها (التراث وأدبيات الحركات الإسلامية)، إنما هي وسيلة قرآنية تبدأ على مستويات وبشكل منظومة متكاملة تحقق معنى (الخلافة والاستخلاف).

أولا: الخلافة على مستوى الفرد، (وهذه تتضمن):

  • تنظيم عالم الأفكار.
  • تنظيم عالم السلوك.
  • تنظيم عالم الأشياء.
  • الإحساس بقيمة الإنسان وجماله ووظيفته.

ثانيا: الخلافة على مستوى الأسرة:

  • طبيعة العلاقات السائدة داخل الأسرة.
  • نمطية تربية الأولاد ومقدار توفر الحرية والتزكية فيها.
  • مقدرة الوالدين على اكتشاف مواهب وإمكانات الأبناء وأفراد الأسرة وتوظيفها.

ثالثا: الخلافة على مستوى المجتمع:

  • انتشار مقصد (الرحمة) والتراحم بين أفراد المجتمع.
  • قيمة الإنتاج وتحسين نوعية الحياة.
  • احترام الفرد باعتباره إنسانا، بغض النظر عن دينه وعرقه وطائفته.
  • توفير فرص العمل والحياة الكريمة لجميع الأفراد.
  • إشاعة قانون الفرص المتساوية بين أفراد المجتمع.

رابعا: ثم بعد ذلك كله تأتي الخلافة على مستوى الحكومات أو الدولة على أن لا يطغى مفهوم (الدولة) على (الأمة)، وهذه النقطة بالذات تحتاج إلى إشباع أكثر، ولكن نشير هنا إلى أن من حق المجتمع أن يختار الطريقة (الإدارية/السياسية/الدستورية) التي تتلاءم مع بيئته لتحقيق مبدأ الاستخلاف، وتحقيق الوظائف الأخرى، ومقاصد القرآن الكريم، وبذلك نخرج من تلك الجدلية التي أقحمنا فيها، وقدسناها فترة من الزمن.

____________________________________________________________________________________________

* :«إن الله يزع بالسلطان! ما لا يزع بالقرآن!»، وهذا الأثر الذي يروى تارة عن عمر وتارة عن عثمان:
ضعيف: رواه الفاكهي في أخبار المدينة لأبي زيد البصري(2/115)، من طريق إسماعيل بن موسى، عن حماد، عن يحيى بن سعيد، عن عثمان به. ومن علة هذا الإسناد أن يحيى بن سعيد الأنصاري لم يسمع من عثمان بن عفان.
ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه(4/107)، من طريق الهيثم بن عدى حدثنا، عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: «لما يزع الله بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن».
وهذا إسناد باطل، فالهيثم بن عدي تركه النسائي، وكذبه يحي بن معين، والبخاري، وأبو داود كما في ترجمته في الميزان!

الخلاصة: إن الاثر عن الخليفتين الراشدين عمر وعثمان لم يصح، والله تعالى أعلم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد