كثيرًا ما يواجه الفرد العربي على وجه الخصوص في مجتمعه ظروفًا قد يلجأ فيها إلى الاستشارة أو التعبير عن معتقداته, بالذات حين يصطدم في حائط الحَيرة أو تلتف به الحياة في دوامة عصيبة وتأخذه في غفلة بعيدة!

الكثير منا قد يلجأ في هذه الأحوال للبوح عما يجول في خلجاته, فتمُر بخاطره أو تواجهه بشكل صريح تلك الكلمات الرنانة والحكم الطنانة والأمثلة والمقارنات المجتمعية المختلفة, التي تدفعه لا شعوريًا لاتخاذ موقف محدد بناءً على إسقاطات تم الرجوع إليها في العقل اللاواعي أو تم إملاؤها عليه من العقل الجمعي, وبالتالي يكون التعاطي معها بسطحية دون نظرة ثاقبة تحليلية أو تفكير في حيثياتها ومآلاتها, فكثير من السلوكيات انعكست علينا من إرثٍ تناقلناه لا شأن لنا في صناعته.

في مقارنة مختلفة نجد أن ثمة ترابطًا وتشابكًا بين المصطلحات الثلاثةِ التالية وهي: (العجز والتسليم والإحباط), والتي تقودنا لنتائج حتمية, ففي تعريف كل منها نلتمس الرابط فيما بينها, فعندما نبحث في مصطلح العجز يكون المعنى هو الضعف وعدم القدرة على القيام بعمل ما, وفي مصطلح التسليم يكون المقصد الخضوع والإذعان, أما في مصطلح الإحباط فنجد الدلالة على إعاقة في النَّشاط المتجه نحو هدف إما بإيقافه، أو التهديد بإيقافه، أو الإيحاء بأن مآله إلى الهزيمة والخيبة والشعور بالحزن واليأس والعجز نتيجة للفشل في تحقيق هدف كان يرجى تحقيقه.

كل ذلك يقودنا لرابط يجمع تلك المفردات في عبارة سنطلق عليها “بؤسُ المعتقد”, حيث يواجه الشخص منذ ولادته معتقدات ومسلمات في محيطه وبين أقرانه يتوجب عليه التسليم بها دون التفكير أو إعادة النظر في جدواها، فيصبح عاجزًا عن الإتيان بغيرها ويحبط كل محاولة للنيل منها أو استقصاء البديل عنها.

ذلك المعتقد البائس الذي لطالما كان إرثًا نتناقله جيلًا بعد جيل، في قناعة مقولبة ساذجة، وفي إطار من منظومة التعجيز المتعاقبة التي تسعى إليها عقولنا الجمعية في رفض صريح مبهم أمام ذلك العقل والمنطق والشعور, نعم هو صريحٌ في علانيته والنطق به، ومبهمٌ في تعليله والاستناد إليه!

ففي مجتمعاتنا يضرب المَثل فيقال: (امشي الحيط الحيط وقول يارب الستر), في مصارحة علنية لإخماد ثورة الحرية والاستظلال بذلك الحائط الذي لربما كان جدارًا للفصل والعزل العنصري بين الواقع والحقيقة، وبين الإنسان الخامل وذلك الآخر المُشِع, فكم من ذِكْر لأموات ولكنهم أحياء فينا جرَّاء ما قاموا به وتركوا من أثر, وكم من أحياء ولكنهم أموات تحت ذلك الحائط!

وفي مفارقة أخرى نجد الحكمة العظيمة: (مد رجليك على قدر لحافك), والتي لطالما تغنى بها الأقدمون وتوارثتها الأجيال الجديدة في تسليم واضح وعجز بائس، قادها للإحباط وضعف التقدم, في ضريبة فرضت نفسها على من لا ضريبة له, فكان اللحاف قصيرًا أبد الدهر ولم يسعَ أحد للبذل والسعي لاستطالته أو استحداثه بلحاف يلائم تلك القدمين.

أما من ناحية صناعة الوعي، فكان الدَور بارزًا للدُور التعليمية والمحاضن التربوية في إخضاع الشعوب منذ نعومة أظْفَارها وجعلها تتنفس عبق الأمنيات عبر هبوب رياح السفن, لا كما تجري سفينة المرء ذاته حيث كنا ندندن أبيات أبي الطيب المتنبي:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه .. تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

بدلًا من تحفيز كل مورد من شأنه أن يدفع عجلة التقدم في تلك المجتمعات وينفض الغبار عن الكواهل والسواعد التي لربما كانت معول بناء في صرح أمتها, فينغرس في نفوسنا قبل نفوس أبنائنا كلمات ترفع الهمم وتخضع الواقع لمعادلة تغيير صعبة تحقق المراد وترفض ثلاثية البؤس تلك:

فاقصد إلى قمم الأشياء تدركها .. تجري الرياح كما رادت لها السفن

تلك السفن والسفينة التي هي “أنت” والتي من شأن رُبَّانها أن يمخر بها عباب ذاته، مشفقًا على كل ناعتٍ له بالغرق على ضفاف ذلك النهر وتلك البحيرة, بحيرة ماؤها من دمك يتجدد بك ومنك، ويحتوي على صفائح معتقداتك أنت لا معتقدات غيرك.

أنت أنت.. يا من إذا أشفقوا عليه قالوا له: “علينا انتظار المهدي وصلاح الدين, أو أن الحل بحلول يوم القيامة”, وإذا تحرَرْت من قيودهم تلك وانطلقت مجددًا وصغت ما بداخلك أحرفًا، أو أحدثت أمرًا يراودك في سبيل نصرتها، هتفوا من بعيد باستهزاء بعد أي جهد وأي عمل بقولهم: “أحررتها هكذا إذًا!”.

فتعود أدراجك إلى التسليم لتلك المعتقدات البائسة لتُرَسّخ في كينونة ذاتك أن لا مفر ولا فرار من هذا القيد إلا بالتغيير بما في نفسك, فتكون عنصر التغيير في قومك وتعلي كل شأن إلى بارئك، التماسًا في العذر وطلبًا في تحقيق الأمر }قَالُوا مَعْذِرَة إِلَى رَبّكُمْ{, حينها ستدرك أن داء العجز دواؤه الإرادة، وأن التسليم مرفوض مع العزة، ولا إحباط عند تحديد الهدف والسعي لتحقيقه بكفاءة وفاعلية مهما استغرقتْ المحاولة واستمر الأمر, وعندها فقط سيهتف الجميع: “المجدُ لك”.

وقت إذ..

لن تنتظر إسقاطات ظاهرها فيه الحكمة وباطنها فيه التسليم والإذعان، كأن يردد: “للبيت ربٌ يحميه”, فهذا بعد البذل والعمل بالأسباب لا تواكلًا ينسي الفرد منا واجبه ودوره, ولن تنتظر بعد اليوم مقولات حتى لأعدائك يحددون فيها انتصارك بعدد المصلين في صلاة ما مقارنة بأخرى مثلًا، ظنًا منهم بزرع الوهن في نفسك وإطفاء أي ناقوس ينبهك, لأنك أنت من سيضع معايير النصر والانتصار لا أعداؤك، وستستمد ذلك من دينك وأخلاقك.

فكل عمل يقربنا من ذاتنا ومن تحقيق معتقدات أصيلة ثابتة صحيحة علينا به, فلا تدعنَّ مجالًا لغزو مجتمعي أو فكري يستبح حرمة عقلك ويستهين بمقدراتك وإمكاناتك, وسيصبح ذلك المعتقد شجاعًا طامحًا عاملًا يسعى للنهضة ويرفض الذل والهوان.

فارفع عاليًا شعارًا في حياتك: “شكرًا مجتمعي فأنا قادر على تحديد معتقداتي”, وابدأ يومك واختمه بهذا الدعاء:
“اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ“.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التغيير, العجز
عرض التعليقات
تحميل المزيد