قديمًا قالوا خذ الحكمة من أفواه المجانين، لقد كان الزعيم الليبي الراحل معمر عبد السلام بومنيار قذاف الدم بتصرفاته أقرب للمعتلين عقليًا، إلا أنه صاحب توقعات غالبًا ما تكون عين الحقيقة والصواب.. ومن ضمن ما كان يقول: (إن السودان ومصر لن يلتقوا أبدا) وكان يقصد أنهم لم يتفقوا أبدا.. أو كحال أمتنا العربية اتفقوا على أن لا يتفقوا.

نعم إنه كلما تسارعت خطوات البلدين نحو التطبيع والتكامل بينها.. كلما طفت إلى السطح رؤوس الفتن وأبواق الجهلاء لتتعالى أصواتهم.. وكأن لسان حالهم يردد: كلما أوجد الدهر في الحياة قناة.. ركب الجهل في القناة سنانا.

الحقيقة التي لا يفهمها المصريون أن السودان بلد صاحب سيادة، ولاعلاقة له مع التقديرات السياسية المصرية؛ فأعداء مصر ليسوا بالضرورة أعداء للسودان، وكذا العكس، لقد هاج وماج الإعلام المصري بسبب منح السودان حق إدارة جزيرة لا تتجاوز مساحتها عدة كيلو مترات إلى تركيا في الوقت الذي وافقت مصر على استخدام جميع قواعدها من قبل الجيش الروسي (حلال عليكم وحرام علينا).. المؤسف في الأمر أن ترسانة الإعلام المصري هذه المرة تجاوزت حدود اللباقة والمهنية، وقدمت أرتالا من السب والشتم واللعن للسودان البلد الذي طالما قدم الكثير لمصر دون من ولا أذى. لقد استخدام الإعلام المصري ألفاظا نابية لا تليق بالإنسانية، ناهيك عن أخوة الدين والدم، أصبح إعلاميون، مثل عمرو أديب، أحمد موسى، وغيرهما، يتنافسون في جذب المشاهد المصري البسيط بالتباري في الإساءة للسودان، وكان السودانون هم من منحوا أرضا مصرية إلى أردوغان.

اليوم شوهدت تحركات لآليات عسكرية وتعزيزات أمنية تتحرك باتجاه معسكر ساوا غرب أرتريا بالقرب من الحدود الشرقية للسودان، وهذا تزامنًا مع زيارة متوقعة لأسياسي أفورقي الرئيس الإرتري إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وتحديدًا للقاء الشيخ محمد بن زايد، وهو مهندس كل الفتن والفوضى التي تحدث في عالمنا العربي من المحيط إلى الخليج.. مما يجعل من هذه الأحداث مقدمة لحدث ما يدبر له بليل، خصوصًا مع تواتر أنباء عن اجتماعات للمعارضين السودانيين بالخارج مع حركات دارفور في إرتريا… من جانب الحكومة السودانية فقد استبقت ذلك بإعلان حالة الطوارئ في ولاية كسلا الحدودية مع إرتريا.

وقبل هذا رفعا لمستوي التوتر بين البلدين ذهب وزير الأوقاف المصري الشيخ محمد مختار ليصلي الجمعة مع مجموعة من الإعلاميين فيبمسجد النوبة بحلايب المتنازع عليها، وينقل التلفزيون المصري الحدث في سابقة استفزازية خطيرة.

إن تصاعد التوتر والأحداث في الفترة الأخيرة يجعلنا نرى فوق الرماد وميض نار، ونخشي أن يكون لها اضطرام، فإن النار بالعودين تزكى، وإن الحرب أولها كلام.

ولو قدر لهذه الحرب أن تكون بين البلدين.. فإن الخسائر المادية والبشرية سوف تكون مؤلمة ومكلفة جدا، وسوف يرجع البلدان لعشرات السنين إلى الوراء.

حقيقة كل اللوم يقع على عاتق السياسات المصرية التي دائمًا ما توصف من طرف السودان بالتعالي والغرور.. والتغاضي عن الاتهامات الإعلامية البذيئة التي تسبح في بركة من الجهل.. وعدم قدرة أغلب إعلامييها على التفريق بين الخطأ والصواب.. إلى غير ذلك من مظاهر قادتها الذين أصبحوا يفتقدون الاستقامة السياسية، لذا فمن المعتاد أن أصبحنا نشاهد مثل توفيق عكاشة مزور شهادة الدكتوراة يتهكم على السودان الذي نال استقلاله في عام 1956 في الوقت الذي غادر الإنجليز مصر بعد هذا التاريخ بعشر سنوات… ويذهب سامح شكري إلى أديس أبابا مطالبًا بإبعاد السودان من محادثات سد النهضة واستبداله بالبنك الدولي كضامن للاتفاق، (ياللعبط والفوضى!) من كل هذا لا نملك إلا أن نقول كما قال القذافي: إن السودان ومصر لن يلتقوا أبدا. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد